يلقون المغريات المالية في سلة المهملات

تقرير "الشيخ جراح" .. الأهالي ينامون بـ "نصف عين" واستفزازات المستوطنين تجدد المواجهة

...
جانب من وقفة لأهالي الشيخ جراح
القدس المحتلة – غزة/ يحيى اليعقوبي:

من ثلاثة اتجاهات، يحاصرُ المستوطنون منزل صالح ذياب (51 عامًا) في حي "الشيخ جراح" بمدينة القدس المحتلة، يتبعه استفزازاتٌ يومية ومتكررة، ينام بنصف عين من القلق خشية من أي غدرٍ يحيكه المستوطنون لعائلته في الخفاء كما أحرقوا عائلة "الدوابشة" والطفل المقدسي "محمد أبو خضير".

في الأسابيع الأخيرة تكررت اقتحامات المستوطنين الاستفزازية للشيخ جراح، الواقع في الجانب الشرقي من البلدية القديمة بالقدس، قاد تلك الاقتحامات كل من عضو الكنيست المتطرف إيتمار بن جفير وأرييه كينج نائب رئيس بلدية الاحتلال، وهو ما ينذر بموجة مواجهة جديدة في الشيخ جراح.

فمنذ رفض عائلات الحي في 2 نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي، التوقيع على صفقة مع الاحتلال تقضي "بإعطاء ملكيتهم للمستوطنين مقابل البقاء في منازلهم خمسة عشر عامًا" تكررت اقتحامات المستوطنين الاستفزازية للشيخ جراح.

بن جفير الذي وضع مكتب له قرب بيت ذياب في مايو الماضي، جدد استفزازه لصاحب البيت نهاية الأسبوع الفائت، حينما وجه إليه ألفاظًا نابية ووصفه بأنه "إرهابي" وهدده بأنه "سيأخذ بيته"، حدثت المشادة أمام عناصر شرطة الاحتلال، تهديدات ردها ذياب بنظرة صلبة مؤكدًا تجذره في بيته، وقال لبن جفير "فشرت عينك أنتم اللي راح ترجعوا على البلاد اللي اجيتوا منها"، وانتهى الحوار على وقع استفزازات المستوطنين بإعادة ذات التهديدات التي أطلقها بن جفير.

استفزازات يومية

"نعيش حياة يومية نخشى هجوم المستوطنين علينا، أو إحراق منازلنا، فقبل ذلك ألقوا علينا قنابل "مولوتوف"، وعدة مرات حاولوا صعود سور منزلنا (..) عندما يذهب أطفالي للمدرسة أشعر بالخوف عليهم" يزيح الستار صالح ذياب لصحيفة "فلسطين" عن بعض تفاصيل حياته اليومية.

استولى المستوطنون عام 2009 على بيت "الغاوي" المقابل لمنزل ذياب، ومن الخلف استولوا عام 1967م على مغارة وقبر لعائلة "حجازي"، وقاموا بتغيير اسمه، واستولوا على نصف بيت جاره نبيل الكرد والد الناشطين المقدسيين "محمد ومنى" يعيش في النصف المصادر المستوطن "يعقوب"، والذي يقوم هو وبقية المستوطنين المقتحمين للمنطقة باستفزاز الأهالي وكتابة تهديدات على الجدران تتوعد الأهالي بالطرد والتهجير من بيوتهم.

حسب تعبيرات ذياب فإن المستوطنين والاحتلال بأذرعه (البلدية والشرطة) يقومون بـ"استفزازات يومية لا يتصورها العقل"، يسرد بعضًا منها قائلا: "يستهدفون المنطقة الغربية من الحي إذ سلموا سبعة منازل أوامر إخلاء، ونعيش حاليًا في معركة، مصائب كبيرة تحدث، فقاموا أيضًا بإزالة خيمة الاعتصام التي أقمناها، وأزالوا رايات تحمل اسم 28 عائلة مهددة بالإخلاء، تأتينا بلدية الاحتلال من جهة والمحاكم من جهة أخرى".

ورغم أن محاكم الاحتلال ومنذ نوفمبر الماضي أوقفت أمر الإخلاء إلا أن ذياب لا يستبعد تفعيله في أي لحظة.

ذياب الذي يعيش هو وأطفاله ونحو 24 فردًا من عائلته، رفض التنازل عنه مقابل عشرة ملايين شيقل عام 2007م، وقال لمن عرض عليه هذا الإغراء المالي "لو جبت لي كل مصاري الدنيا مش مستغني عن شبر واحد من فلسطين".

 جدد المستوطنون عرضهم عام 2014 بإضافة بيت إلى جانب المبلغ المالي.. لكن رده هنا كان ذاته على بن جفير "فشرت عينكم" وكان آخر العروض أن يبقى محميًا داخل منزل لخمسة عشر عامًا مقابل التنازل عنه، يعلق على تلك العروض "رفضتها كلها لأننا أصحاب الحق، وقلت لهم: لن يسامحنا الله والتاريخ لو رضينا بذلك".

حبس منزلي

قبل أيام فرضت قوات الاحتلال حبسًا منزليًا على اثنين من أبناء المقدسي محمود السعو (54 عامًا) والذي يسكن في الحي، وهما أحمد (22 عاما) ومعتز (18 عاما) انقضت المدة الخميس الفائت، بينما تستمر بفرض أمر الحبس المنزلي على ابنه محمد (17 عامًا) لعشرة أيام، ويخشى أن يصدر أمر بالحبس لابنه البكر رمضان (27 عامًا).

يتساءل بحرقة وغضب يرافقان صوته عبر الهاتف لصحيفة "فلسطين": "سجنوا أبنائي أكثر من مرة دون أن يكون عليهم شيء، فلماذا يفرضون الحبس المنزلي!؟ لم تتأخر إجابته على السؤال الذي طرحه قائلاً "يريدون إرهاقي بالكفالات المالية حيث فرضوا علي دفع أكثر من 15 ألف شيقل في حال خرج أحد أبنائي من المنزل، وهذا يؤثر على نفسية الأبناء، لكنني متعجب من إرادتهم وصمودهم كالأسود لا يهمهم الاعتقال والسجن ولا الكفالات المالية وكأنهم تفوقوا علينا في التجذر بالمنزل".

خلال تلك الأيام لم يغادر السعو منزله إلا للضرورة، خشيةً من اقتحام مفاجئ لقوات الاحتلال للتأكد من وجود أولاده وعدم خروجه، بمرارة يتهكم على ما يعيشه "تخيل أنك تطلع من البيت، وترجع بسرعة بتلاقي جنود بحكولك: ممنوع تدخل".

خلال المواجهات التي حدثت بين عائلات الحي والاحتلال خلال شهر رمضان الماضي، فتح "السعو" بيته كمستوصف لعلاج المصابين، ما جعله هدفًا للاحتلال الإسرائيلي و"يدفع ثمن ما قدمه".

استلم السعو كباقي أهالي الحي أمر إخلاء بيته، لكن خصمه هنا ليس مستوطنًا عاديًا، بل هو نائب رئيس بلدية الاحتلال أرييه كينج الذي قدم مشروع بناء للمحاكم الإسرائيلية على أنقاض بيت المقدسي، ليكون أمام مواجهة حكومة الاحتلال من خلال بلديتها في القدس والمتطرف كينج. يقول السعو "لقد رفضت عرضه قدمه بن جفير لإخلاء منزله مقابل مليوني دولار"، مؤكدًا "أن منزله لا يقدر بثمن، وأن الصمود والثبات أعظم من كل أموال الدنيا".

يعيش مستوطن وزوجته في بيت قبالة بيت السعو استولى عليه الاحتلال، وبين الفينة والأخرى يصله مستوطنون كثر، لكن السعو يحذر من أن ما يطلبه "كينج" من شرطة الاحتلال السماح للمستوطنين بالوجود في تلك البؤرة يوميًا من الثامنة مساءً حتى الثانية فجرًا قد يثير الاستفزازات ويفجر الأوضاع.

لا يتوانى هذا المستوطن المزروع قبالة منزله، في البصق على السعو وجيرانه، وتصوير النساء والأطفال لاستفزاز الشباب وذلك لاعتقال الشباب، فقبل أسبوعين اقتحم المستوطنون الحي وكسروا زجاج السيارات وأعطبوا إطاراتها، ورشوا الغاز على أحد الشبان، فيما أطلق أحد المستوطنين النار على شباب من الحي ورغم أن الكاميرات تظهر ذلك إلا أن شرطة الاحتلال اعتقلوا أحد شباب الحي مدة أسبوع وأطلقوا سراح المستوطن.