وضع "عباس" حجر الأساس لإنشائه قبل 6 سنوات

أين ذهبت تبرعات بناء مستشفى خالد الحسن لعلاج مرضى السرطان؟

...
عباس يضع حجر الأساس لبناء مستشفى خالد الحسن قبل 6 سنوات
رام لله- غزة/ أدهم الشريف:

عندما تقرر إنشاء مؤسسة خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان بمدينة رام الله، كان ذلك بمرسوم صادر عن رئيس السلطة محمود عباس، تلاه وضع حجر الأساس عام 2016، فاستبشر الجميع، لأن ذلك سيخفف إلى حد كبير من معاناة هؤلاء المرضى.

لكن بعد بضع سنوات، وتحديدًا في يناير/ كانون الثاني 2021، صدر مرسوم آخر عن رئيس السلطة -كشف عنه حديثًا- يغير مهام المؤسسة التي طال انتظار إنشائها، في وقت تشير فيه مصادر إلى أن فكرة المستشفى الحكومي ألغيت تمامًا.

ويثير ذلك تساؤلات عديدة حول مصير الأموال والتبرعات التي خصصت وجمعت من أجل بناء المستشفى.

ويحدد المرسوم الأخير، مهام المؤسسة في إنشاء تطوير مستشفى خاص أو أقسام متخصصة بعلاج أمراض السرطان بالمستشفيات العامة أو الخاصة، وهو ما يجعل مسألة إنشاء المستشفى خيارًا أو احتمالاً.

وذهب المرسوم إلى أبعد من ذلك بتضمين خيار إنشاء أقسام في مستشفيات قائمة أصلاً بدلاً من مستشفى تخصصي لمرضى السرطان.

كما يشير المرسوم في البند السادس من المادة السادسة فيه، إلى ضرورة جمع التبرعات لدعم وتوفير الخدمات العلاجية لمرضى السرطان.

تفاصيل المشروع

وفي التفاصيل الواردة لصحيفة "فلسطين" تفيد المصادر بأن رجل الأعمال حسيب الصباغ، كان قد تبرع بأرض مساحتها 220 دونم في منطقة سردا برام الله لإنشاء مدينة طبية، وتقدر قيمة هذا العقار بـ 120 مليون دولار.

ويبين اللواء المتقاعد يوسف الشرقاوي أن "الجمعية العربية الطبية" كانت الجهة المخولة بإدارة المشروع، لكن تم حلها والاستيلاء على الأرض كاملة وبناء "قصر الضيافة" بقيمة 13 مليون دولار أمريكي، تحوّل إلى مكتبة بعدما فشل أمنيًا.

وبحسب قول الشرقاوي لصحيفة "فلسطين" فإن عام 2016 شهد إعلان مشروع مستشفى خالد الحسن للسرطان وزراعة النخاع بقيمة 140 مليون دولار، على مساحة 20 دونمًا فقط من الأرض.

ويضيف أن مجموعة إعمار العقارية أعلنت مشروع "تلال سردا" وفرزت 50 قطعة تتراوح مساحتها بين 500- 900 متر مربع، لبناء فلل حديثة، في وقت تمَّ فيه تخصيص مساحات أكبر لرجال أعمال ومستثمرين.

ونبَّه إلى أنه تم جمع ما يقارب 11 مليون دولار أمريكي من الموظفين ومتبرعين، صرف منها على التصاميم والحفريات قرابة 4 ملايين تقريبًا.

أما عن مجلس إدارة المؤسسة حاليًا، فهو يضم رئيس ديوان الرئاسة انتصار أبو عمارة، أما مجلس الإدارة السابق للمؤسسة فكان يضم رئيس حكومة رام الله محمد اشتية.

ردود فعل

وبينما حاول مستشار الرئيس لشؤون التعليم لطلبة الداخل الفلسطيني عماد اشتية، الدفاع عن مرسوم الرئيس الخاص بتغيير مهام المستشفى والتبرير له، ووصف ردود الفعل بأنها "ضجيج مفتعل في سياق المناكفات التي لا تخدم المصالح العليا للشعب الفلسطيني"، قوبل رأيه بردود فعل عديدة على منشور كتبه في صفحته على "فيسبوك".

وتضمنت الردود موقف اللواء سرحان دويكات، إذ ردَّ على منشور اشتية: "تناقض التبرير يشكل قرينة للإدانة. جميعنا يعز علينا هذا التراجع، فنذهب نحو بث الأمل، وأتفهم دوافعك الحريصة. إذ كان من المفترض أن يبدأ المشروع بالإمكانات المتوفرة، فنحن من يعتمد سياسة المراحل في الحل الوطني، وكيف لا نسحبه على بناء المؤسسات".

وأضاف دويكات: "لنذهب لتبرير واقعي مبني على الصراحة؛ وهو أن السياسة المتبعة في الحكومات منذ بداياتها سياسة تلبيس الطواقي، والسبب هو التعثر المالي الناتج عن سوء استخدام المال العام وعدم ترتيب الأولويات ضمن خطة إستراتيجية متدحرجة".

وتابع دويكات: "ما أنفقته وزارة الصحة على العلاجات الخارجية يفوق المليار دولار، ولا داعي لنا جميعًا أن نعلق على شماعة مصلحة الوطن، فالوطن يذبح من الوريد للوريد على أيدي الطارئين وهم كثر".

وأكمل: "مصلحة الوطن أولاً تبدأ بوحدتنا وتنتهي بتجريم الفاسدين، ولا يمكن أن تتحقق الوحدة، ونحن نفتقد إلى قواعد الحوار ونغرق بالمناكفات".

وتساءل في رده: "هل تعلم أن كل الصناديق ميزانيتها صفر لأننا نعتمد على سياسة تلبيس الطواقي كما التاجر الفاشل الذي يبيع الأصول ليصرف على تجارته ويحافظ على اسمه في السوق؟".

وكانت وزارة الصحة برام الله أفادت في بيان لها، أن التبرعات المالية التي تم جمعها لإنشاء مركز خالد الحسن لعلاج السرطان وزراعة النخاع، موجودة ومحفوظة في حساب بنكي خاص بمؤسسة خالد الحسن.

وقالت في بيان مكتوب، الخميس الماضي: "لقد تم عمل المخططات الهندسية للمشروع بسعة 250 سرير، وتكلفة تقديرية بقيمة 160 مليون دولار".

وأضافت: "نتيجة عدم توفر الأموال اللازمة لإنشاء المشروع، فقد جُمِّد في الوقت الحالي، حيث تعمل الوزارة والحكومة على توفير الدعم المالي لإنشاء المركز، وعلى مراحل لخدمة المرضى".

لكن هذا البيان قوبل بردود فعل مناوئة لإدارة ملف مؤسسة خالد الحسن، وكذلك لسياسات الحكومة في الضفة الغربية، خاصة بعد حادثة وفاة سليم النواتي (16 عامًا) مريض سرطان الدم، الذي خرج من غزة، مؤخرًا، متجهًا للعلاج بمستشفى النجاح، ورفض استقباله بدعوى عدم تسديد الحكومة في رام الله ديونها للمشفى الواقع في مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية المحتلة.

بيع الأوهام

وقال أستاذ القانون والعلوم السياسية د. أمجد شهاب: إن "ما يحصل جزء من بيع الأوهام، خاصة أن الرئيس بنفسه شارك في وضع حجر الأساس، وأُعلن حينها أنه خلال 4 أعوام سيكون المستشفى جاهزا، وفي النهاية يصدر مرسوم جديد عن الرئيس يغير مهام المستشفى".

وأشار شهاب لصحيفة "فلسطين" إلى أن السلطة جمعت أموالًا من موظفيها الحكوميين ورجال أعمال فلسطينيين، ومتبرعين في مختلف المحافظات، "حتى إن المواطنين من مدينة الخليل تبرعوا بأطنان من الحديد".

ويعتقد أن وفاة الفتى المريض النواتي شكلت طريقة التعامل معه "جريمة" حسب وصفه، وأن فضح أمر المرسوم الرئاسي فيما يتعلق بمؤسسة خالد الحسن يتعلق بتبعات هذه الجريمة وآثارها.

وأبدى استغرابه الشديد من تصرف السلطة والحكومة من عدم إنجاز المشروع رغم مرور 6 سنوات لم يتحقق خلالها شيء.

وأكد شهاب ضرورة إجراء تحقيقات حول هذا المشروع وكشف قضايا الفساد فيه، مستبعدًا أن تلجأ السلطة إلى ذلك بسبب تغييب المجلس التشريعي وعدم وجود قضاء مستقل بالضفة.

وكان عضو مجلس إدارة مستشفى خالد الحسن للسرطان منيب المصري قال في تصريحات صحفية: "لا نعلم أين وصل مشروع المستشفى، وهذا السؤال يوجه للحكومة، وسألنا ولم يجبنا أحد".

وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، العديد من ردود الفعل المناوئة لقرار عباس بشأن المستشفى الخاص بعلاج مرضى السرطان.

وكتب صاحب حساب "أبو العز ياسين" على فيسبوك: "مركز خالد الحسن للسرطان في رام الله، قام عباس بوضع حجر الأساس له قبل ستة أعوام بالضبط أما اليوم فلا أخبار عنه".

وأضاف: "قيل إنه سيكون أكبر مستشفى حكومي لعلاج السرطان في الضفة وغزة، ويوفر العلاج لآلاف المرضى، ويوفر على السلطة الأموال الطائلة التي تصرف على التحويلات للخارج".

وتابع: "السلطة جمعت ملايين الدولارات تبرعات من الشعب الفلسطيني، واقتطعت من رواتب الموظفين من أجل مشروع وهمي تبخر في الهواء، وعلى مقربة منه أقيم قصر محمود عباس من أموال الضرائب، وفي النهاية لم يسكنه، وما زال حتى الآن تسكنه الصراصير والعناكب، في حين يموت أبناء شعبنا لعدم توفر العلاج".