أهالي النقب يستلهمون تجربة المقاومة الشعبية من "غزة" و"بيتا"

...
النقب المحتل-غزة/ نور الدين صالح:

"الحجارة، وإشعال الإطارات، والمقلاع، والإضراب الشامل.." وسائل للمقاومة الشعبية لا تزال حاضرة بين يدي الشباب الثائرين، تتنقل بين المدن الفلسطينية بين وقت وآخر، حتى وصل بها المطاف إلى منطقة النقب الواقعة في الداخل الفلسطيني المُحتل، لترسم مشهدًا من الصمود والتحدي.

منذ عدة أيام استنفر أهالي النقب وكشروا عن أنيابهم لمواجهة حملة سلطات الاحتلال الشرسة ضدهم، والتي تتضمن تجريف الأراضي واعتقال الأهالي والاعتداء عليهم بوحشية واقتحام منازلهم وقمع المتضامنين والمحتجين للاستيلاء على الأرض الفلسطينية.

في خضم المعركة يُشعل الشباب الثائرون الإطارات المطاطية، ويجابهون جيش الاحتلال المدجج بالسلاح، بالمقلاع والحجر، في رسالة تحدٍ وصمود مفادها "لن تنعموا بالهدوء ولن نسكت على جرائمكم بحقنا وسنقتلعكم من أرضنا بالحجر وصدورنا العارية".

وأدت سياسة "الكر والفر" بين الشبان الفلسطينيين وجيش الاحتلال إلى اندلاع مواجهات بينهم، أسفرت عن إصابة عشرات الفلسطينيين واعتقال آخرين، إذ باتت الوسائل الشعبية في مقاومة الاحتلال لا تقل أهمية عن المقاومة المسلحة العسكرية، في إرباك مخططات الاحتلال.

تعددت أوجه المقاومة الشعبية في قرى النقب، بين إحراق مركز لشرطة الاحتلال في تل السبع وإقامة حاجز من الحجارة في طريق أحد القطارات، وحرق سيارة أحد الصحفيين الإسرائيليين، وإضرام النار في قرى رهط وقيب السلام ومدخل كيبوتس رتاميم.

وتتخوف أوساط إسرائيلية من اتساع رقعة المواجهات وامتداداها إلى مناطق أخرى ذات أغلبية فلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1948، إذ يُعلق رئيس قسم العمليات السابق في جيش الاحتلال يسرائيل زيف على المواجهات قائلاً: "المواجهات المندلعة والأحداث التي وقعت في النقب تعيدنا إلى أحداث مشابهة خلال الانتفاضة الأولى، ويمكن القول إن هناك انتفاضة شعبية حقيقية في النقب".

لا استسلام

كما قال القيادي في حركة حماس حسين أبو كويك: إن "النقب المحتل لنا، وإنَّ شعبنا الفلسطيني هو صاحب الأرض ولا يمكن أن يستسلم أو يرفع الراية البيضاء".

وأوضح أبو كويك، أن أرض النقب هي جزء من فلسطين، وسيتحرك الفلسطينيون في كل مكان ضد سياسات الاحتلال، مشيراً إلى أن الاحتلال يريد للإنسان الفلسطيني أن يرفع راية الاستسلام "وهذا لن ينجح".

وتشكل المنطقة الصحراوية قرابة 40% من جغرافيا فلسطين التاريخية، وهي تمتد من عسقلان على الساحل الغربي لوسط فلسطين حتى رفح، على امتداد حدود سيناء، وتسكنها سبعة تجمعات عربية تشكل 56% من سكان النقب، الذين يتعرضون منذ تأسيس دولة الاحتلال عام 1948 فوق أنقاض المدن والقرى الفلسطينية المهجرة، لعملية وضع اليد على ما يقدر بـ13 مليون دونم من أراضيهم التي يسكنها 35 تجمعا بدويا.

وأجبر الاحتلال إبان النكبة، قرابة 100 ألف فلسطيني على الرحيل من النقب، وتحوّل أغلبهم إلى لاجئين في الأردن وشبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية، وخصوصا مناطق الجليل والأغوار والقدس.

وكتب الناشط نور القح عبر صفحته على "تويتر" عن صمود النقب: "لم يسلم من بطشهم لا أطفال ولا نساء، يصارعون الناس من أجل سلبهم حق العيش في أرضهم، يحاولون انتزاع الأرض ومن عليها، ولكن يأبى النقب إلا أن يكون صامدا في وجه هؤلاء الطغاة وهذا الاحتلال الغاشم، اللهم ثبت أقدام أهلنا في النقب وانصرهم على من عاداهم".

في حين غرّدت الناشطة وداد دعنا: "النقب مُستمر بالمُقاومة، اعتقالات واقتحامات ومواجهات واعتداءات على الأهالي أصحاب الأرض، وتحريش للأراضي. الاحتلال يسعى لتنفيذ خُططه في الاستيلاء على الأراضي وسرقتها، واقتلاع وتهجير قسري في النقب، حتى اعتقال الصحفيين لمنعهم من نقل الأحداث والإجرام الذي يرتكبه الاحتلال."

بيتا نموذجاً

لهيب المقاومة الشعبية في مناطق النقب لم يكن بعيدًا عن المدن الأخرى، بل جاء امتدادًا للأحداث التي جرت في بلدة بيتا جنوب مدينة نابلس، وتحديدًا في منطقة جبل صبيح، التي حاولت الجماعات الاستيطانية الإسرائيلية تحويل بؤرة سموها "أفيتار" إلى مستوطنة راسخة فوق أراضيهم.

"انتفاضة حقيقية" لا يزال يخوضها أهالي "بيتا" على مدار أكثر من 250 يومًا "بلا كلل ولا ملل"، في وجه القمع الإسرائيلي الإجرامي، متسلحين بوسائل خفيفة للمقاومة الشعبية، ما أودى بحياة سبعة من أبنائها شهداء وإصابة أكثر من مائتي شاب بالرصاص الحي، في حين وصل عدد المصابين بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط وقنابل الغاز إلى قرابة ثلاثة آلاف.

ويدير "البيتاويون" حربهم مع الاحتلال، إذ يقسمون أنفسهم إلى وحدات ومجموعات منظمة، ويتناوبون على ذلك ليل نهار، مستلهمين تجربتهم من المقاومة الشعبية قرب السياج الفاصل شرق غزة.

وقد اشتهرت في البلدة "وحدة الكاوشوك" التي يبدأ عملها مع ساعات المساء، ووحدتا "المقاليع" "المولوتوف" المسؤولتان عن رشق الجنود بالحجارة وإلقاء الزجاجات الحارقة.

وآخر الوحدات "الإرباك الليلي" التي أبدعت في تخويف المستوطنين والجنود وإزعاجهم بإشعال النيران وتوجيه الليزر وكشافات المصابيح تجاه المستوطنة.

وسبق "بيتا" في ابتكار تلك الوحدات والأدوات القتالية الشعبية، الشباب الثائر في قطاع غزة، عقب انطلاق مسيرات العودة قرب السياج الأمني الفاصل شرق القطاع في الثلاثين من مارس/ آذار 2018، ما قض مضاجع الاحتلال وجعله يعيد حساباته ويفكر ألف مرّة في كيفية التعامل مع هذه الوسائل.

"النقب" و"بيتا" و"غزة"، نماذج حيّة لا تختلف عن الشيخ جراح وسلوان وقبلها عدّة قرى فلسطينية، أثبت خلالها الشعب الفلسطيني قدرته على تحقيق أهدافه، وتحرير وطنه بالاعتماد على النفس، وتنظيم الذات، وتحدّي إجراءات الاحتلال والمستعمرين المستوطنين.

كذلك فإنه أثبت، وما زال يثبت، قوة المقاومة الشعبية أداة كفاحية فعالة ومؤثرة للوصول إلى الحرية التي ينشدها الشعب الفلسطيني.