حماس: أبلغنا الوسطاء بأن تهجير سكان الحي سيكون صاعق تفجير حقيقيًّا

تقرير "الشيخ جراح".. المواجهة مستمرة بين "الكف" و"المخرز"

...
صورة أرشيفية
القدس المحتلة-غزة/ عبد الله التركماني:

تتعلق مأساة حي الشيخ جراح بعشرات العائلات الفلسطينية التي عانت مرارة التهجير المتكرر في إثر نكبة عام 1948، حتى استقرت في هذا الحي المقدسي عام 1956، كانت هذه العائلات تأمل أن تكون هذه الهجرة الأخيرة لها، إلا أن مطامع الاحتلال كانت وما زالت لها رأيٌ آخر.

ويقطن الشيخ جراح اليوم أكثر من 3 آلاف فلسطيني على مساحة أراض تقدر بنحو ألف دونم، وهي آخر ما تبقى لهم من أراض بعد مصادرة آلاف الدونمات من أراضي السكان التي أقيمت فوقها 3 مستوطنات تعرف بمستوطنات التلة الفرنسية.

وتعرض سكان هذا الحي بداية حقبة التسعينيات من القرن الماضي، إلى خديعة وخيانة من قبل محام إسرائيلي وكّلوه للدفاع عنهم، إذ عقد هذا المحامي مع دولة الاحتلال صفقة دون علم سكان الحي، تثبت أن ملكية تلك الأرض تعود للجمعيات الاستيطانية، وتم منح أهالي الحي وضعية مستأجرين، يسري عليهم قانون حماية المستأجر".

في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008 تم إجلاء عائلة الكرد من منزلها، وتكرر المشهد في أغسطس/ آب 2009 حينما تم طرد عائلتي حنون والغاوي من منزليهما، ورفعت الأعلام الإسرائيلية على هذه المنازل إيذانا بمرحلة جديدة لمعاناة السكان بالحي.

ويمثل هذا الحي أهمية كبيرة بالنسبة إلى الفلسطينيين، لوقوعه شرقي القدس المحتلة، إذ أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية معركة "سيف القدس" البطولية في مايو الماضي، دفاعاً عن هذا الحي، الذي واجه اعتداءات إسرائيلية متكررة ومحاولات لتهجير سكانه.

وحتى اللحظة تلقت 12 عائلة فلسطينية بالحي قرارات بالإخلاء، صدرت عن محاكم إسرائيلية مختلفة. وكان آخر تحركات السكان، التماس 4 عائلات منها إلى محكمة الاحتلال العليا، ضد قرارات طردها من منازلها.

خطر التهجير لا يزال قائماً

عائلة الصباغ المكونة من 5 أسر، وعدد أفرادها 32 شخصا بينهم 10 أطفال، هي إحدى العائلات المهددة بالطرد، تخشى أن تعاني مرارة الهجرة واللجوء مجدداً بعد أن هاجرت العائلة من يافا عام 1948، تاركة خلفها بيوتها التي استولى عليها مستوطنون، دون أن يمكّنها القانون الإسرائيلي من استرجاعها.

يقول الحاج محمد الصباغ (71 عاماً) أحد أفراد هذه العائلة لصحيفة "فلسطين": "إن خطر التهجير لا يزال يتهدد العائلة والعائلات الأخرى في الحي، إذ إن محاكم الاحتلال لا تزال تراوغ وترفض وقف قرارات تهجير سكان الحي التي صدرت على فترات متفاوتة خلال الأشهر الماضية".

وعن أبرز المخاطر التي يواجهها سكان الشيخ جراح في العام الجديد، عبّر الصباغ عن خشيته من أن يشهد هذا العام تهجير سكان الحي، وقال: "صحيح أن المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، ردعت دولة الاحتلال عن تنفيذ مخططاتها التهجيرية بحقنا في مايو 2021، إلا أن هذه المخططات لا تزال قائمة".

وكان رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل، أكد في 1 نوفمبر 2021، أن️ّ ما جرى في مايو الماضي، يتكرر وسيتكرر، حتى وإن عبث العابثون من الصهاينة وظنّوا أنّهم يستطيعون إلغاء الأثر الذي أحدثته معركة "سيف القدس".

وقال مشعل خلال تصريحات صحفية: إن️ "رئيس الحركة إسماعيل هنية يواصل مع عائلات أهلنا في حي الشيخ جراح برفع معنوياتهم، ومعنوياتهم مرتفعة، وأعطاهم ضمانة بأن المقاومة معهم وستدافع عنهم"، مؤكداً بأن المقاومة ستوجه إنذارًا جديدًا للاحتلال.

وشدد الحاج الصباغ على أن قضية الحي لما تمثله من قضية وطنية تعبر عن تمسك الفلسطيني بأرضه، تحتاج إلى عمل فلسطيني جماعي وموحد، يضم كل بقاع وجودهم سواء داخل فلسطين أو خارجها، بما يشمل فلسطينيي الداخل المحتل والشتات.

صاعق تفجير

يؤكد الناطق باسم حركة المقاومة الإسلامية حماس، حازم قاسم، أن حركته تتابع بدقة كل ما يجري في الشيخ جراح، ومن ضمنها مساعي الاحتلال لتهجير سكانه.

وقال قاسم لصحيفة "فلسطين": "مؤخراً، أبلغنا الوسطاء أن استمرار الاحتلال في الاعتداءات على حي الشيخ جراح أو تنفيذ التهجير بحق سكانه، هو بمنزلة صاعق تفجير حقيقي في المنطقة".

ولفت النظر إلى أن معركة سيف القدس جاءت ردا على سلوك الاحتلال في الشيخ جراح واستجابة لنداءات سكانه الفلسطينيين لمحاولة تهجيرهم والتطهير العرقي الذي كان الاحتلال ينوي تنفيذه بالمدينة.

وأشار قاسم إلى أن حماس تتابع أيضاً الحالة النضالية المتصاعدة الشعبية والجماهيرية ضد هذه السياسة الإسرائيلية.

وتابع: "بالتأكيد الاحتلال لن يتوقف عن تنفيذ أجندته الاستيطانية، ونحن أيضاً لن نتوقف عن نضالنا حتى إنهاء هذا الاحتلال ووأد مشاريعه التهويدية".

بعد نجاح المقاومة في صد مخططات الاحتلال في الشيخ جراح في "سيف القدس"، زادت حكومة الاحتلال من دعمها لمجموعات المستوطنين الإرهابية لتنفيذ اعتداءات متواصلة على سكان الحي تحت إطار "غير رسمي" من أجل عدم جر المقاومة لمعركة جديدة معه.

وقعت آخر هذه الاعتداءات نهاية عام 2021، إذ اقتحم ما يزيد عن 20 مستوطنا أرضًا في حي الشيخ جراح تعود لعائلة سالم، وشرعوا بوضع الأعمدة والأسلاك الحديدية حولها بهدف السيطرة عليها.

وقبل أيام من نهاية العام، صادرت سلطات الاحتلال، أرضًا تبلغ مساحتها قرابة 5 دونمات في الشيخ جراح في مدينة القدس، بحجة "المنفعة العامة".

مطامع الاحتلال في 2022

ويقول رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر: "المعروف أن الثابت في الفكر الصهيوني، هو الاستيلاء على أكبر مساحة من الأرض، وهذا المبدأ يصبح مشدداً عندما يتعلق بمدينة القدس، وعادةً ما يكون المبرر "المنفعة العامة".

وأوضح خاطر لصحيفة "فلسطين" أن المنفعة العامة لا تعني إقامة مدرسة أو ملعب أو جامعة أو بنى تحتية لصالح سكان الحي، بل لصالح المستوطنات المحيطة بالحي، وهذا ما يجري في الشيخ جراح حالياً.

وتوقع أن يشهد العام الجديد 2022، سيطرة (إسرائيل) على المزيد من الأراضي والمنازل المقدسية في الحي، مضيفاً: "باتت دولة الاحتلال تسيطر على 33 قطعة من أصل 58 قطعة أرض في الحي".

وبيّن خاطر أن السيطرة الكاملة على الشيخ جراح، تهدف إلى عزل قرى شمال القدس مثل واد الجوز وشعفاط والعيسوية عن قلب مدينة القدس.

وأشار إلى أن الاحتلال يسعى للسيطرة على حي الشيخ جراح من أجل وصل أراضيه بالبؤر والمشاريع الاستيطانية الأخرى، وخاصة المشروع الاستيطاني القائم على أنقاض أرض وبيت المفتي، الذي تبلغ عدد وحداته الاستيطانية الآن 28 وحدة استيطانية، في حين يطمح الاحتلال بتوسيعها إلى 56 وحدة استيطانية خلال العام الجديد.

ونبه رئيس مركز القدس الدولي إلى أن الخطر المحدق بالحي حالياً يتمثل بالضغوط الإسرائيلية على سكانه للقبول بمقترح التسوية، الذي يعتبر سكان الحي مستأجرين فيه لصالح جمعيات استيطانية.

وتابع: "إن أهالي الحي رفضوا هذا المقترح، ولكن سلطات الاحتلال لا تزال تُسوّق أن هذه الصفقة هي أفضل ما يمكن الحصول عليه بالنسبة للمقدسيين من سكان الحي.

وشدد خاطر على أن سكان الحي يرفضون بشدة هذه الصفقة، ويؤكدون أن كل من يتعامل معها أو يُجري أي نقاشات حولها هو خائن لقضية الحي وللقضية الفلسطينية ولدماء الشهداء الذين استشهدوا في معركة "سيف القدس" التي جاءت دفاعاً عن الحي وعن المسجد الأقصى.

وبينما يتقدم الاحتلال في مشاريعه الاستيطانية والتهويدية في الحي مع استمرار الفلسطينيين في مقاومتهم وصمودهم تحدياً لهذه المشاريع، تبدو السلطة الفلسطينية منفصلة عن الواقع تماماً وتغط في سبات عميق، وكل ما تراهن عليه هو إعادة إحياء مسار التسوية مع حكومة الاحتلال الذي أثبت فشله على مدار أكثر من 30 عاماً.