"في فلسطين خطاطون مجيدون بلا مظاهر فنية"

تقرير الخط العربي.. موروث ثقافي أهمله العرب وأثرت فيه التكنولوجيا

...
غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

"الخط العربي" تراث حضاري للأمة العربية ميزها من غيرها من الأمم، فتركت آثارًا منه في كل مكانٍ وصلت إليه العرب، وجمال الخط العربي جعل به اهتمامًا حتى لدى غير الناطقين بالعربية، وإقبالًا على تعلمه وشراء لوحات خاصة به، ما استدعى "يونسكو" إلى إدراجه ضمن قائمتها للتراث غير المادي، لكونه "تعبيرًا عن التناسق والجمال".    

موهبة ينبغي صقلها

"الخط العربي في الأصل موهبة ينبغي صقلها بمرور الأيام، بأن يرافق الخطاط شخصًا أفضل منه بالمستوى يتعرف منه إلى أسرار الحرف العربي، وتركيب اللوحة، وتاريخ الخط، وآدابه وأخلاق الخطاطين التي هي آداب القرآن، لأنه انتشر أصلًا عبر القرآن ونسخ المصاحف" يتحدث الخطاط مسؤول العلاقات العامة في رابطة الكتاب والأدباء عبد الرحمن عسلية.

ويعرب عسلية عن اعتقاده بضرورة تعريف الخطاطين في العالم الخط العربي تراثًا ثقافيًّا وقوميًّا وحضاريًّا للعرب والمسلمين، بمشاركة الخطاطين في المعارض الفنية على مستوى العالم، نوعًا من التقدير لهذا الفن الحضاري العريق، الذي هو من مظاهر الحضارة الإنسانية.

ويعزو قلة اهتمام العرب بهذا الفن إلى كون الشعوب العربية معروفة بقلة ذات اليد، وبساطة الحال، "فالمواطن ينتبه لإشباع بطنه، فلن يهتم للأمور الفنية، كأن يشتري لوحة للخط العربي ثمنها 500 دولار لتعليقها في منزله، وهو لا يكاد يجد قوت يومه".

ويستدرك بالقول: "لكن بعض الدول غير العربية كتركيا تهتم حاليًّا كثيرًا بالخط العربي، فالآن تضم أفضل المعارض على مستوى العالم، وتعقد فيها مسابقات كبيرة تنظمها المساجد والبلديات والبنوك، حتى إن مسابقة الخط التي يقيمها بنك البركة التركي الأقوى على مستوى العالم، مع أن الأتراك لا يكتبون الأحرف العربية منذ انهيار الخلافة العثمانية سنة 1923م".

خلل في تعليمه

أما على الصعيد العربي فهناك اهتمام بالخط في الإمارات العربية المتحدة، خاصة إمارة الشارقة التي تنظم مسابقات، وأقامت مراكز أسمتها "بيوت الخطاطين"، حيث يستطيع طلاب الخط العربي التعلم بكل سهولة ودون أي مشقة، وفقًا لحديث عسلية.

أما في فلسطين فيوجد –كما يبين- خطاطون مجيدون، لكن لا يوجد مظاهر فنية تهتم بالخط وتليق بمستواهم، فلا تقام معارض سوى مرة كل عدة سنوات، ويشير إلى وجود خلل في تعليم الأجيال الجديدة الخط يكمن في سوء خط بعض أساتذتهم، حتى أصبحت إجادة الأجيال الجديدة الخط شيء شاق، بجانب القصور بالاهتمام بالخط العربي في الجامعات. 

ويقول: "من تجربتي الطويلة مدرس لغة عربية كنت أنتقد دومًا كون كراسات الخط العربي مكتوبة بخط طباعي فهو يابس وجاف، لا يمنح الطالب ليونة اليد الطبيعية والانطلاقة والحرية التي تبرز مكامن الجمال والانحناءات".

ويستذكر عسلية تجربة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين الذي فرض على مدرسي اللغة العربية إجادة خطي الرقعة والنسخ، مبينًا ضرورة كون الخط شيئًا أساسيًّا في المناهج الدراسية للمدارس والجامعات، واهتمام المؤسسات الأهلية والبلديات به، إذ ينص قانونها العثماني على وجود دور ثقافي لها.

خطان لا يفترقان

بدوره يؤكد المحاضر التربوي المختص بتعليم مهارات وتحسين الخط العربي محمد الخضري أن الخط العربي من الإنجازات الرائعة للأمة العربية والإسلامية في مجال الفنون الراقية وقمة في الجمال، "وهناك العديد من النماذج الأثرية الرائعة على الجدران في كل البلاد العربية والإسلامية".

ويقول الخضري: "مع بداية عهد الخلافة الإسلامية لاحظنا أن الخبراء وأصحاب الخط الجميل كانوا يحسنون الخط والزخارف الرائعة، لينال الخط العربي إعجاب كل من رآه، والدليل على ذلك الآثار الإسلامية".

ويلفت النظر إلى أن اللغة العربية والخط العربي خطان لا يفترقان في القدسية والإبداع والتميز، فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستعين بالمهرة في كتابة المصحف الشريف، مضيفًا: "برز الاهتمام بالخط العربي على مدار التاريخ الإسلامي والعربي وعبر العصور والأزمنة، من حيث التطوير على الخطوط العربية وجمالياتها، إلى أن وصلنا بهذا القدر من الإبداع".

إبداع وإتقان

ويبين الخضري أن متعلمي الخط يكتسبون العديد من المهارات بمختلف أنواعها، ومن أهمها الترتيب والتنظيم ودقة الملاحظة والنظافة والإبداع والإتقان والتوازن ومراعاة النسب، "وهو يزيد من ثراء وجمال اللغة العربية، ويزيدها جمالًا وتألقًا وتميزًا وإبداعًا".

ومن أشهر أنواع الخط العربي: النسخ والرقعة والفارسي والديواني والثلث والكوفي والكاريكاتير، و"الكوفي من أفضل أنواع الخطوط العربية وأروعها من حيث الشكل والتنسيق والمظهر، ومن أصعب الأنواع في الكتابة، لأن معظم الحروف لها أشكال عديدة". 

وخط النسخ غالبًا ما يُستخدم في نسخ المصاحف والكتب، ويستخدمه طلاب وطالبات المرحلة الأساسية في التعليم، أما الخط الفارسي فتكمن ميزته في جمال الحروف، وكأنها تنحدر من جهة واحدة، وفقًا لإفادة الخضري.

وإذ يبين أن خط الرقعة مشهور عند الجمهور في كتابته، وهو معروف بملاءمته للكتابة والسرعة فيها، في حين أن خط الثلث يعد شقيق خط النسخ لقربه منه في القواعد والجماليات والتميز، أما خط الكاريكاتير فاستحدث، ومختص به من يجيدون الرسم الحديث، وهو خط جميل في الكتابة الدعائية.

ويستشهد الخضري بما قيل في الأثر العربي: "إن جمال الإنسان من جمال لغته وخطه وأدبه"، عادًّا التكنولوجيا سيفًا ذا حدين: سلبي أثر في جماليات الخط العربي اليدوية، وإيجابي يتمثل في استثمارها لمصلحة هذا الفن الجميل.

ويستدرك بالقول: "لكن عمومًا شتان بين جسم حي (وهي يد الإنسان الإبداعية)، وجسم ميت (وهو الحاسوب ويشتهر بالجمود وعدم الإبداع والتكنولوجيا)".

قلة الخطاطين في قطاع غزة يعزوها الخضري إلى غياب اهتمام المؤسسات الثقافية والتعليمية والرسمية بهذا الفن، بتدريسه وتعليمه وعقد ورش وندوات، وقلة أو انعدام وجود مراكز ومؤسسات متخصصة، ما أدى إلى عزوف كثيرين عنه.