في غزة، لا يحتاج الألم إلى وقت طويل كي يكبر. خلال أسابيع قليلة، تحولت حياة الطفل خالد عاشور (5 أعوام) من لعبٍ وضحكٍ في أزقة الحي إلى صراعٍ قاسٍ مع ورم خبيث ينهش عينه الصغيرة، بينما تقف عائلته عاجزة أمام نقص العلاج وإغلاق المعابر. بين وجعٍ يتصاعد كل يوم، وأملٍ يتلاشى مع الوقت، تروي أمّه حكاية طفل لم يطلب سوى أن يعيش كغيره من الأطفال.
لم يكن بكاء خالد هذه المرة عابرًا، ولا شكواه كأي طفل يتدلل بين يدي والديه. تقول والدته: "كان يمسك عينه ويصرخ من الألم، وأنا عاجزة عن تهدئته… لا دواء يوقف وجعه، ولا طريق مفتوح يأخذه إلى العلاج".
في غضون أسابيع، انقلبت حياة الطفل رأسًا على عقب، بعد تشخيص إصابته بورم خبيث في محجر العين، في وقت يعجز فيه القطاع الصحي في غزة عن توفير العلاج اللازم، بينما تُغلق المعابر أمام الحالات المرضية.
خالد، الذي لم يكن مختلفًا عن أقرانه، كان يقضي يومه باللعب والضحك، ويُرهق والدته بأسئلته البريئة. تقول والدته: "كان يحب كرة القدم، ويحلم أن يصبح لاعبًا عندما يكبر… اليوم، حتى النظر بات يؤلمه".
بدأت القصة بآلام خفيفة في الرأس والعين، ظنّها الأهل عابرة، لكنها سرعان ما اشتدت. "زرنا أكثر من طبيب، وكل يوم كنا نسمع احتمالًا جديدًا، حتى وصلنا للتشخيص… ورم خبيث في محجر العين"، تقول الأم، وكأن وقع الكلمات لا يزال ثقيلًا على قلبها.
لم تكن الصدمة في المرض وحده، بل في ما كشفته الفحوصات؛ إذ بدأ الورم يُحدث تآكلًا في العظام المحيطة بالعين، ويمتد خلف الشبكية، دافعًا العين إلى الخارج. "الأطباء قالوا لنا بوضوح… إذا تأخرنا، قد نفقد عينه، وربما نفقده هو أيضًا"، تضيف الأم.
في مكان آخر، ربما كانت القصة مختلفة. "لو كنا في أي بلد آخر، لبدأ العلاج فورًا، عملية أو علاج كيماوي… لكن هنا في غزة، كل شيء ناقص، وكل شيء مؤجل"، تقول.
توضح الأسرة أن الإمكانيات الطبية المتاحة لا تكفي للتعامل مع مثل هذه الحالة المعقدة، وأن الأطباء أوصوا بشكل عاجل بضرورة سفر خالد للعلاج في الخارج. "أعطونا تحويلة طبية عاجلة… قالوا كل يوم يُحدث فرقًا، لكن المشكلة ليست في الأوراق، بل في الطريق"، تقول الأم.
يبقى معبر رفح، المنفذ شبه الوحيد للعلاج، مغلقًا أو محدود العمل، ما يجعل فرص السفر ضئيلة. "كل يوم أستيقظ وأسأل: هل هناك سفر؟ هل هناك أمل؟ لكن الإجابة دائمًا: انتظروا"، تضيف.
الانتظار هنا ليس عاديًا، بل مؤلمًا يقاس بتدهور الحالة الصحية. "أرى ابني أمامي… عينه تبرز أكثر، وألمه يشتد، وهو لا يفهم ما يحدث"، تقول الأم، وتتابع: "يسألني: ماما، متى أذهب إلى الطبيب الذي سيجعلني أتحسن؟… ولا أجد جوابًا".
في لحظة موجعة، تقول الأم إن خالد نظر إليها وقال: "أنا بدي أعيش زي باقي الأطفال". جملة بسيطة، لكنها كانت كفيلة بأن تكسر قلبها. "هو لا يطلب الكثير… فقط أن يعيش، أن يلعب، أن يذهب إلى المدرسة، وأن ينام دون ألم"، تضيف.
لكن في غزة، حتى أبسط الحقوق تبدو بعيدة المنال. الحصار المستمر، والقيود على الحركة، وانهيار المنظومة الصحية، تجعل من رحلة العلاج معركة بحد ذاتها. "نحن لا نحارب المرض فقط… بل نحارب الظروف أيضًا"، تقول الأم.
لا تتحدث بلغة الأرقام أو السياسة، بل بلغة أم ترى طفلها يتألم ولا تملك له سوى الانتظار. "أريد فقط من يسمعني ويساعدني… أريد ابني أن يعيش"، تقول.
وتناشد الجهات المختصة والمؤسسات الإنسانية التدخل العاجل لتأمين سفر خالد قبل فوات الأوان. "كل يوم تأخير قد يسرق فرصة… فرصة أن يرى، أو أن يعيش حياة طبيعية"، تضيف.
ورغم كل شيء، تتمسك العائلة بخيط أمل ضعيف. "الأطباء قالوا إن هناك فرصة إذا سافر بسرعة… وأنا متمسكة بهذه الكلمة: ربما"، تقول الأم.
في ختام حديثها، لا تطلب العائلة معجزة، بل فرصة لطفل في الخامسة من عمره أن يُعالج ويخف ألمه. "لا نطلب المستحيل… فقط افتحوا الطريق"، تقول الأم.
في غزة، حيث تتراكم الحكايات الثقيلة، تبقى قصة خالد واحدة من مئات القصص التي تنتظر نهاية مختلفة، لكن الوقت هذه المرة لا يعمل لصالحه.
"خالد ما زال هنا… وما زال بالإمكان إنقاذه"، تختم الأم، "لكننا نحتاج من يتحرك… قبل أن يصبح الحديث عنه بصيغة الماضي".

