فلسطين أون لاين

إبادة صامتة على مرأى الوسطاء

خاص 2400 خرق إسرائيلي خلال ستة أشهر.. أرقام دامية تكشف واقع غزة تحت النار

...
أهالي يسيرون بين أنقاض منازلهم التي دمّرها الاحتلال خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة
غزة/ يحيى اليعقوبي
  • 751 شهيدًا و2100 جريح حصيلة الخروقات
  • أبو ندى: منزلي بات على تماس مباشر مع الخط الأصفر
  • شاهين: إستراتيجية إسرائيلية لضرب الاستقرار ومنع الإعمار
  • الثوابتة: سياسة ممنهجة لتقويض الاتفاق وتخريبه

تتواصل خروقات الاحتلال الإسرائيلي يوميًا منذ ستة أشهر، مستخدمًا القصف الجوي، وإطلاق النار المباشر، واستهداف المدنيين، ومنع إدخال المساعدات، ما يجعلها انتهاكات ممنهجة تتجاوز الطابع العرضي، وتهدف إلى إبقاء قطاع غزة في حالة من عدم الاستقرار الأمني، إلى جانب هندسة التجويع وخلق أزمات متواصلة، ودفع السكان نحو النزوح من المناطق القريبة من "الخط الأصفر".

ومن أبرز صور الاستهداف خلال الفترة الأخيرة، قصف تجمعات مدنية؛ إذ استهدف جيش الاحتلال، الأحد الماضي، تجمعًا لمواطنين في منطقة المزرعة شرق مدينة دير البلح وسط القطاع، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة شبان بنيران طائرة مسيّرة إسرائيلية.

وقبل ذلك بأيام، استهدفت طائرة حربية مسيّرة تجمعًا للمواطنين في مخيم المغازي في أثناء محاولتهم طرد عصابات متعاونة، ما أسفر عن استشهاد 11 شابًا. وقد تكرر هذا النمط خلال الشهرين الماضيين، مستهدفًا مركبات ونقاطًا شرطية، في مؤشر على مساعي الاحتلال لخلق حالة من الفوضى.

اقرأ أيضًا: المكتب الحكومي: 2400 خرق لاتفاق وقف إطلاق النَّار بغزة خلال نصف عام

"هذه مصيدة لشبابنا، وليست هدنة".. لم تكن هذه الصرخة التي أطلقتها أم فلسطينية خلال وداع شهداء دير البلح الثلاثة مجرد تعبير فردي، بل تحولت إلى قناعة عامة لدى سكان القطاع، في ظل إبادة صامتة بعيدًا عن صخب المواقف الدولية.

وتتصاعد وتيرة الخروقات في المناطق المحاذية للخط الأصفر، في سياق دفع السكان نحو التهجير القسري. وكان من آخر الضحايا الطفلة ريتاج ريحان (9 أعوام)، التي استشهدت برصاصة إسرائيلية اخترقت خيمة تعليمية أثناء تلقيها الدرس، في 11 أبريل/ نيسان 2026، ليمتزج دمها بدفترها المدرسي.

ولا تختلف قصتها عن الطفلين سلمان زكريا الزوارعة (14 عامًا) وابن عمه محمد يوسف الزوارعة (15 عامًا)، اللذين استُهدفا بقنبلة ألقتها طائرة مسيّرة من نوع "كواد كابتر"، أثناء جمعهما الحطب قرب منزلهما بجوار مستشفى كمال عدوان شمال القطاع، في 24 يناير/ كانون الثاني 2026، ما أدى إلى استشهادهما على الفور.

وفي واقعة أخرى، تعرّض الطفل جواد أسامة أبو نصار، في 19 مارس/ آذار 2026، للاعتقال برفقة والده أثناء توجههما لشراء حاجيات قرب الخط الأصفر، قبل أن يُفرج عنه لاحقًا عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وأظهرت المعطيات تعرض الطفل لسوء معاملة بهدف الضغط على والده.

ولم تسلم الطواقم الصحفية من الاستهداف؛ إذ قُتل مراسل "الجزيرة مباشر" محمد وشاح في قصف جوي استهدف سيارته قرب مفترق النابلسي غرب مدينة غزة، في 8 أبريل/ نيسان 2026.

ورغم توثيق هذه الخروقات، يؤكد المصور الصحفي عمر أبو ندى، الذي يسكن شرق حي الزيتون على مقربة من الخط الأصفر، أن الواقع المعيشي والنفسي للسكان أشد قسوة مما يتم رصده.

477576619_1170853105043414_7516954019784072943_n.jpg

المصور الصحفي، عمر أو ندى

ويقول أبو ندى لـ "فلسطين أون لاين": "إطلاق النار على المنازل بات روتينًا يوميًا، خاصة في ساعات الليل، بمشاركة المدفعية وطائرات كواد كابتر، ما يحول مناطقنا إلى ساحة حرب ويفرض على السكان البقاء في منازلهم مع حلول المساء، وسط تساقط الشظايا وإطلاق الرصاص بشكل مباشر".

ويضيف: "مع بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، كان منزلنا يبعد نحو 500 متر عن المكعبات الصفراء، أما اليوم فلم يعد يفصله عنها سوى عشرات الأمتار، في مؤشر على زحف هذا الخط وابتلاعه مساحات واسعة من الشريط الشرقي للقطاع".

ويرى أبو ندى أن الاحتلال يسعى لفرض تهجير صامت، إلا أن السكان يلجؤون إلى النزوح المؤقت مع كل تصعيد، قبل أن يعودوا نهارًا، في ظل غياب البدائل وانعدام أماكن آمنة غرب القطاع.

تخريب الاتفاق

من جانبه، يؤكد مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، د. إسماعيل الثوابتة، أن الخروقات الإسرائيلية تمثل سياسة ممنهجة لتخريب اتفاق وقف إطلاق النار وعدم الالتزام ببنوده.

ويشير إلى أن الاحتلال ارتكب أكثر من 2400 خرق خلال ستة أشهر، أسفرت عن استشهاد 751 فلسطينيًا وإصابة نحو 2100 آخرين.

إسماعيل الثوابتة مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة

مدير عام المكتب الحكومي، د. إسماعيل الثوابتة

ويضيف لـ"فلسطين أون لاين" أن الاحتلال لم يلتزم بإدخال المساعدات وفق الاتفاق، الذي ينص على دخول 600 شاحنة يوميًا، في حين لا يتجاوز العدد الفعلي 227 شاحنة، أي بنسبة التزام لا تتعدى 38%.

كما لفت إلى تعمد تقليص كميات الدقيق؛ إذ يحتاج القطاع يوميًا إلى 450 طنًا، بينما لا يتوفر سوى نحو 200 طن، في إطار سياسة "هندسة التجويع" للضغط على السكان وتحقيق أهداف سياسية وأمنية.

وحمل الثوابتة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تدهور الأوضاع الإنسانية، داعيًا المجتمع الدولي والوسطاء إلى ممارسة ضغط حقيقي لإلزامه ببنود الاتفاق.

وأشار إلى استمرار إرسال تقارير يومية للوسطاء والمنظمات الدولية توثق الخروقات، في محاولة لوقفها وضمان إدخال المساعدات وإجلاء أكثر من 20 ألف مصاب، إلى جانب آلاف الطلبة العالقين.

سيطرة دائمة

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن الخروقات الإسرائيلية تمثل نمطًا ممنهجًا يهدف إلى تقويض اتفاق وقف إطلاق النار بالكامل.

اقرأ أيضًا: مركز حقوقي: الاحتلال يصعِّد في خروقاته لاتفاق غزَّة ويفاقم المعاناة الإنسانية

ويوضح لـ"فلسطين أون لاين" أن هذه الممارسات تعكس إستراتيجية للحفاظ على سيطرة عسكرية طويلة الأمد، عبر انتهاكات متواصلة تشمل القصف الجوي، وإطلاق النار، والتوغلات المحدودة، ونسف المنشآت.

ويضيف أن هذا التنوع في الأدوات العسكرية يهدف إلى اختبار ردود الفعل، وإرهاب المدنيين، ومنع إعادة الإعمار، وفرض واقع أمني جديد يبرر استمرار الوجود العسكري.

ويشير شاهين إلى أن التركيز على المناطق القريبة من الخط الأصفر يأتي في سياق فرض تهجير قسري وخلق واقع جغرافي جديد، يسمح بالسيطرة على مساحات واسعة من القطاع تحت ذرائع أمنية.

ويحذر من أن هذه الخروقات تمثل تهديدًا وجوديًا لأي تسوية سياسية، وتؤكد أن الاتفاق لم يكن سوى غطاء لاستمرار العدوان، في ظل ضعف الرد الدولي، ما يشجع الاحتلال على مواصلة انتهاكاته وفرض وقائع جديدة بالقوة.

المصدر / فلسطين أون لاين