فلسطين أون لاين

تقرير خطة نزع سلاح غزة... مسار سياسي مشروط أم ابتزاز تحت غطاء إنساني؟

...
مقاتلين من كتائب القسام خلال عملية تبادل للأسرى العام الماضي
غزة/ جمال غيث:

في وقت تتفاقم فيه الأزمات الإنسانية في قطاع غزة تحت وطأة الحرب والحصار، تعود إلى الواجهة مجددًا ما تعرف بـ"خطة نزع سلاح" المقاومة، باعتبارها مقترحًا دوليًا يربط بين التخفيف الإنساني والترتيبات الأمنية. غير أن هذا الطرح، الذي كُشف عنه مؤخرًا ونُسب إلى المبعوث الأممي السابق نيكولاي ملادينوف، يثير جدلًا واسعًا بين من يراه مسارًا سياسيًا مشروطًا، وآخرين يعتبرونه شكلًا من أشكال الابتزاز الإنساني.

وتقوم الخطة على مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة"، إذ يُربط أي تقدم في ملف إعادة الإعمار أو إدخال المساعدات بخطوات مقابلة تتعلق بنزع سلاح المقاومة تدريجيًا، إلى جانب طرح نموذج حكم يقوم على "سلطة واحدة، وقانون واحد، وسلاح واحد"، بإشراف دولي وآليات رقابة.

إلا أن هذا الطرح يواجه رفضًا واسعًا من محللين وفصائل فلسطينية، يرون فيه محاولة لإعادة إنتاج شروط الاحتلال بصيغة جديدة، تحت غطاء دولي، مع اختلال واضح في ميزان الالتزامات بين الأطراف.

ابتزاز إنساني

ويرى مراقبون أن الخطة، في جوهرها، لا تستند إلى توازن حقيقي، بل تميل لصالح الاحتلال، الذي لا يقدم التزامات واضحة أو ملزمة، مقابل مطالب جوهرية تمس بنية المقاومة. فبدلًا من أن يكون الانسحاب ورفع الحصار مدخلًا لأي ترتيبات لاحقة، يتم تقديم نزع السلاح كأولوية، مقابل وعود غير مضمونة بإعادة الإعمار وتحسين الوضع الإنساني.

ويؤكد محللون، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "فلسطين"، أن ربط إدخال المساعدات ومواد البناء بالمسار الأمني يمثل شكلًا صريحًا من الابتزاز الإنساني، حيث تُستخدم احتياجات السكان الأساسية كورقة ضغط لفرض شروط سياسية وأمنية.

ويشدد هؤلاء على أن إعادة الإعمار يجب أن تكون حقًا إنسانيًا غير مشروط، لا أداة تفاوضية.

غياب الضمانات

ويرى مراقبون أن المرحلة الثانية من الخطة تُعد الأخطر، إذ يُتوقع أن تتضمن خطوات حساسة تتعلق بالبنية العسكرية للمقاومة، في ظل غياب ضمانات حقيقية تلزم الاحتلال بتنفيذ تعهداته.

ويشير محللون إلى أن التجارب السابقة أظهرت تنصل الاحتلال من التزاماته أو إعادة تفسيرها بما يخدم مصالحه، ما يجعل الانتقال إلى هذه المرحلة محفوفًا بالمخاطر.

وفي هذا السياق، يؤكد الكاتب والمحلل السياسي سعادة إرشيد أن الخطة "غير قابلة للتنفيذ"، مشددًا على أن المقاومة الفلسطينية ليست مجرد سلاح يمكن تسليمه، بل فكرة متجذرة مرتبطة بواقع الاحتلال.

ويضيف، أن أي محاولة لنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار الاحتلال تمثل تجاهلًا لحق الشعوب في مقاومة الاحتلال وفق القوانين الدولية.

ويشير إرشيد إلى أن من أبرز إشكاليات الخطة غياب ضمانات دولية ملزمة، فآليات الرقابة المطروحة تفتقر إلى القوة القانونية أو السياسية الكفيلة بإجبار الاحتلال على الالتزام.

ويحذر من أن هذا الغياب قد يحول الخطة إلى أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض دون تحقيق تقدم حقيقي في إنهاء الحصار أو الاحتلال.

كما يلفت إلى مخاوف متزايدة من احتمال إدخال أطراف دولية أو إقليمية للقيام بأدوار أمنية داخل قطاع غزة، ما قد يحول هذا الوجود إلى أداة ضغط إضافية بدلًا من أن يكون عامل استقرار.

مسار أحادي

من جانبه، يتساءل الكاتب والمحلل السياسي عصمت منصور عن طبيعة الدور المتوقع للقوة الدولية المقترحة: هل ستكون لحماية الفلسطينيين ودعم الإعمار، أم أداة لنزع سلاح المقاومة؟

ويؤكد أن غموض هذا الدور يعزز حالة القلق والرفض، مشيرًا إلى أن من أبرز إشكاليات الخطة تفريغ مبدأ "الخطوة مقابل الخطوة" من مضمونه.

ويقول، إن الاحتلال يفرض وقائع ميدانية دون الالتزام بالتدرج أو التوازي في التنفيذ، مستشهدًا باستمرار العمليات العسكرية، وعدم فتح المعابر بشكل كامل، وغياب أي تحسن ملموس في الواقع الإنساني.

ويضيف أن الاحتلال يسعى إلى إبقاء نفسه كمرجعية وحَكم في جميع المراحل، ما يحول العملية إلى مسار أحادي يخدم مصالحه ويعطل أي توازن حقيقي في الالتزامات.

موقف رافض

على الصعيد الفلسطيني، قوبلت الخطة برفض واسع من الفصائل والتجمعات العشائرية، التي اعتبرتها محاولة لتجريد الفلسطينيين من عناصر قوتهم وفرض واقع سياسي جديد تحت ضغط إنساني.

وأكدت هذه الجهات أن ملف السلاح يجب أن يُناقش ضمن رؤية وطنية شاملة، وليس استجابة لإملاءات خارجية، مشددة على أن استمرار الاحتلال والحصار يكشف حقيقة الأهداف الكامنة وراء هذه الطروحات.

 

فخ سياسي

في المحصلة، يرى مراقبون أن "خطة نزع سلاح" المقاومة، بصيغتها المطروحة، تمثل فخًا سياسيًا يضع الفلسطينيين أمام معادلة صعبة: إما القبول بشروط تمس جوهر مقاومتهم، أو الاستمرار في مواجهة واقع إنساني متدهور.

ويؤكد هؤلاء أن أي مسار حقيقي للحل يجب أن يبدأ بإنهاء الاحتلال ورفع الحصار، لا بفرض شروط أمنية أحادية الجانب.

ويخلصون إلى أن تجاهل جذور الصراع، ومحاولة القفز إلى ترتيبات أمنية دون معالجة أسبابه الأساسية، لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الأزمة، بدلًا من حلها.

 

المصدر / فلسطين أون لاين