تقرير القدس في 2021.. "العاصمة" تواجه النكبة والتهجير

...
صورة أرشيفية
القدس المحتلة-غزة/ فاطمة الزهراء العويني:

في كل ركن من القدس المحتلة حكاية ألم وصمود، إذ يضيق الاحتلال الإسرائيلي على أبناء الشعب الفلسطيني فيها سبل العيش، في مسعى لتهجيرهم من أراضيهم وبيوتهم قسرًا، في حين يجابهون تلك الإجراءات بصمود أسطوري مرده يقينهم بأنهم لا يمكن أن يكرروا سيناريو نكبة شعبهم عام 1948، مهما كلفهم ذلك من ثمن.

وشهد عام 2021 ملحمة أسطورية لأهل القدس في وجه الاحتلال، تمثلت في هبة "باب العامود"، وأحداث حي الشيخ جراح التي استدعت تدخل المقاومة بغزة عبر معركة "سيف القدس"، التي خاضتها دفاعًا عن المدينة المحتلة والمسجد الأقصى في أيار (مايو).

"سيف القدس"

شرارة الأحداث انطلقت من حي "الشيخ جراح" حين حاول الاحتلال تهجير أهله بالقوة، بعدما لم تفلح محاولاته بالالتفاف على القانون والتضييق في دفعهم للخروج من أرضهم، فقرابة 500 فلسطيني يسكنون 28 منزلًا في الحي مهددون بالتهجير القسري لمصلحة الجمعيات الاستيطانية.

وانطلق أهل الحي في فعاليات رافضة التهجير القسري، لاقت تضامنًا محليًّا وعربيًّا ودوليًّا واسع النطاق، ما استجلب عددًا كبيرًا من المتضامنين الدوليين، تزامن ذلك ومحاولة الاحتلال طرد المقدسيين من باب العامود، إلى أن استنجد أهل القدس بمقاومة غزة التي خاضت معركة "سيف القدس"، مجبرة الاحتلال على التراجع عن مخططاته، لكنه بخبثه المعهود لم ييأس من مواصلة محاولات تهجيرهم بالتضييق اليومي عليهم.

نهى عطية إحدى سكان الحي تؤكد أن ما ألجم الاحتلال عن تهجير الأهالي قسرًا هو خوض مقاومة غزة معركة "سيف القدس"، إلى جانب التضامن الدولي الواسع مع المواطنين في الحي.

ولا يزال الاحتلال ومستوطنوه يتربصون بحي الشيخ جراح، ويفرضون عليه حصارًا إذ يمنعون أي شخص من خارجه من دخوله، وينتظرون انفضاض المتضامنين مع سكانه، ويراهنون على النفس الأطول، لكن لسان حال أهله: "سنواصل الدفاع عن أرضنا، فلا يوجد ما نخسره"، هذا ما تؤكده نهى.

وتضيف: "سنقاوم حتى آخر رمق، فهدم بيوتنا يعني استيلاء الاحتلال على المسجد الأقصى".

سياسة النفس الطويل

ولم يكن أهالي حي "وادي ياصول" بأحسن حالًا من سابقيهم، فالحي الريفي الواقع في الأراضي الجنوبية الغربية لبلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى يتهدد سكانه البالغ عددهم 725 نسمة خطر هدم بيوتهم الثمانين، ويخوضون صراعًا ميؤوسًا منه في محاكم الاحتلال.

ويواجه المواطن خالد الشويكي كغيره من سكان الحي المهدد خطر التهجير القسري من بيته، فقد تسلم قرار هدم عام 2007، ومنذ ذلك الوقت ينافح في أروقة محاكم الاحتلال غير العادلة.

يقول الشويكي: "إن تلك السنين سرقت من عمري ومالي؛ فقد تكبدت وغيري من الجيران غرامات وتكاليف محاكم باهظة، للمحاولة حتى الرمق الأخير للحيلولة دون هدم بيوتنا".

ويؤوي منزل الشويكي عشرة أشخاص مهددين بالتهجير القسري حال إقرار "أمر الهدم"، يضيف: "لقد دفعنا شقا عمرنا ثمنًا للأراضي والبيوت، فنحن من الطبقة الفقيرة، غالبيتنا عمال، ورغم ذلك أهالي ياصول مصممون على البقاء في أرضهم، ولو في خيمة على أنقاض منازلهم".

وتتجلى وجوه المعاناة في حي البستان أحد أحياء بلدة سلوان بالقدس، الذي يضيق الاحتلال على سكانه لتهجيرهم قسرًا وبناء حدائق توراتية على أنقاض منازلهم.

يبين المواطن نضال الرجبي أحد سكان الحي أن الاحتلال يحاول شق "الموقف الموحد" للمواطنين، بتجميد أمر الهدم بحق بيوت وتركه مفعلًا بحق أخرى، قائلًا: "هذه لعبة ليست ذات جدوى؛ فنحن يد واحدة وسنبقى كذلك، كلنا متضامنون معًا، ونعد هدم أي بيت في الحي خطرًا على الجميع".

ويذكر أن الاحتلال يحاول كسر إرادتهم بالاقتحامات والمضايقات والضرائب الباهظة والاعتقالات، مستدركًا: "لكنه لن يفلح في تحقيق مراده؛ فصمودنا هنا عقيدة، وواعون لمخططاته، ومدركون أن المواجهة معه تعتمد على النفس الطويل".

الهدم الذاتي

وفي مختلف مناطق القدس وجد الكثير من المقدسيين أنفسهم أمام خيار مرير، وهو هدم بيوتهم بأيديهم، وإلا فإن آليات الاحتلال ستهدمه، مع تحميلهم دفع فاتورة "تكاليف الهدم" الباهظة، في ظلم غير مسبوق عالميًّا.

ومن هؤلاء الشاب المقدسي إسماعيل عرامين (30 عامًا) الذي اضطر إلى هدم منزله في حي "وادي الجوز" شمال شرق البلدة القديمة، في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، تفاديًا للغرامات الباهظة التي سيدفعها في حال قوات الاحتلال هدمته بحجة البناء دون ترخيص.

يدرك عرامين جيدًا أن الاحتلال يريد تهجيره قسرًا وتهجير كل أبناء "وادي الجوز"، لكنه يقول: "رغم الفاتورة الباهظة التي ندفعها بسبب صمودنا في القدس لن نترك أرضنا، مهما كلفنا ذلك من ثمن، فالتفريط في ذرة من تراب القدس غير وارد لدي إطلاقًا، فهي الأكسجين الذي أتنفسه، وهذه ضريبة العيش فيها، وهي تستحق الصبر والتضحية، ولا نطيق العيش خارجها".

وفي منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2021 انتزع سكان بناية سكنية في "حي الطور" شرق القدس قرارًا قضائيًّا إسرائيليًّا بتأجيل النظر في قرار هدمها حتى إشعار آخر، بعدما كان الاحتلال قد طلب منهم في 4 تشرين الآخر (نوفمبر) إخلاءها فورًا تمهيدًا لهدمها، وهي تؤوي عشر عائلات مقدسية.

يبين فايز خلفاوي (60 عامًا) أحد سكان العمارة أن الاحتلال أثقل كاهلهم بالمخالفات والضرائب الباهظة منذ لحظة سكنهم فيها، قائلًا: "لم نكن نعتقد أن المأوى الذي بصعوبة حصلنا عليه مع ندرة العقارات للمقدسيين بالقدس سيكون وبالًا علينا".

ويذكر أن سكان البناية تقدموا لبلدية الاحتلال بطلب ترخيصها خمس مرات، قُوبلت جميعها بالرفض، مضيفًا: "وبعد ذلك تكرر وصول طلبات الإخلاء إلينا، وفي كل مرة نتوجه لقضاء الاحتلال ليعمد إلى تأجيل التنفيذ، وهكذا دواليك".

ويشير خلفاوي إلى أن ملاحقة الاحتلال لهم تأتي ضمن حملة استهداف للحي بأكمله الذي لا يبعد سوى خمس دقائق بالسيارة عن المسجد الأقصى، وأنه منذ بداية عام 2021 هدم عدة بيوت وسلم لعشرات أخرى قرارات بالهدم، مكملًا: "يريدون دفعنا للهجرة القسرية إلى الضفة الغربية، وحينها سيسحبون هوياتنا المقدسية، ولن نتمكن من دخول مدينتنا مجددًا".

البث المباشر