أما آن الأوان لإسقاط حصان طروادة؟!

نقلت العديد من وسائل الإعلام العربية والفلسطينية وأخرى نقلًا عن مصادر بالمقاومة الفلسطينية قولها: "إن سلسلة عروض وإغراءات قدمت لحركة حماس في أعقاب معركة سيف القدس، في أيار (مايو) الماضي".

وصحيح أن هذا مؤشر على صدقية ما أكدته فصائل المقاومة الفلسطينية أنها لقنت العدو الصهيوني المتغطرس درسًا جديدًا، كما أكدت ذلك تقارير لجنة التحقيق لاستخباراته التي أشارت إلى أن جيش الاحتلال مني بخسائر فادحة، وأنه لم يحقق جل أهدافه التي حددها، بل كان يقاتل طواحين الهواء قتالًا أعمى.

وعلى أي حال، لم يكن ذلك جديدًا، ففي كل المعارك التي خاضتها المقاومة -وفي مقدمتها كتائب الشهيد عز الدين القسام- عدة وعديد وفعل في الميدان، ومع كل الخيبات المستجدة "لجيشهم الجرار" كان العدو يبحث عبر الوسطاء المعتمدين لديه تقديم تلك الإغراءات التي تروج اليوم.

ولكن حركة حماس كانت دومًا لها شروطها بحثًا عن ضمانات وازنة، دون أن يمس ذلك أن ما يجري هو نتاج لما أنجزه الميدان العسكري، وأن هذا هو حصاده السياسي، بهدنة هي استراحة المحارب بين معركتين على طريق جهاد مستديم حتى إنجاز الأهداف الوطنية والمشروعة العليا غير منقوصة.

وحماس تعلم أن معاركنا مع العدو النازي الكولونيالي لا تنجز بالضربة القاضية كما هي حروب الدول، فنحن حركة تحرير وطنية فلسطينية ننتصر بمراكمة النقاط حتى إحداث التحول النوعي في حرب إرادات تستنزف قوى العدو في الميادين كافة، يصبح فيها الاحتلال مكلفًا ولا طاقة للعدو لاحتمال استمرارها حتى اللحظة الفارقة التي يسقط فيها العدو كما جرى مع دول عظمى، كفرنسا في الجزائر عام 1962، وأمريكا في فيتنام عام 1975، حين تهاوت الإمبراطوريتان أمام شعوب علمت كيف تجيد القتال بسلاح الإرادة والوعي والصبر والرباط فتنتصر.

والعدو يعلم أنه يناور، ويعلم أن أهدافه خبيثة وواضحة للطرف الآخر، وهي لاستثمار الزمن أيضًا، ولكنه مع ذلك يحاول، فهو لم يصل إلى لحظة الحقيقة المرة والوحيدة أنه مهزوم وأن تجارب التاريخ للاستدلال لا حصر لها.

لقد قدم العدو على مدار السنوات الماضية الكثير من الخطط والبرامج، وقد أسمى بعضها "تسهيلات"، حتى الكثير من اتفاقات التهدئة أو وقف إطلاق النار، عسى أن تنجح ويصل إلى مبتغاه الجوهري، وهو هدنة طويلة الأمد، ولكن دون جدوى.

ويقينًا إن هذا الأسلوب المنحدر والمكشوف أيضًا، والمعنون بسياسة "العصا والجزرة" لن يمر هذه المرة أيضًا، خاصة أنه يعلم أن من يقف على خط المواجهة هذه المرة فصيل وطني جهادي مؤمن بربه وبشعبه، يرى بأم العين كيف يدس "السم في الدسم"، ونماذج ذلك كثيرة، وليس فقط ما جرى قديمًا، بل لننظر إلى النموذج المحلي الذي يتآمر كل يوم بين ظهرانينا على ثوابتنا الوطنية في مقاطعة عار التخابر مع العدو، مدشنًا بصك إذعان أوسلو الخياني.

لقد فعل ذلك عباس وزمرته المتآمرة بليل ومن وراء ظهر كل الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية المقاومة، تحت شعارات زائفة مضللة بأنهم ذاهبون إلى مسيرة سلام تحقن الدماء ويعيش في "ظلالها الناس في رغد من العيش".

وقد جاءت الوقائع حية وعنيدة بأن ما يجري هو تآمر واضح، فادح وفاضح لعصابة باعت نفسها للشيطان فطعنت الشعب ومقدساته في الظهر، تحت الشعارات ذاتها التي تروج لها دوائر العدو وأدواته العميلة.

فمتى قدم عدو محتل غير الموت والنهب والانتهاكات والقتل للشعوب المحتلة؟! فكيف بحركة صهيونية كولونيالية تهدف إلى شطب الوجود المادي للشعب الفلسطيني على أرضه الوطنية؟!

أما ما يروج من "تقديمات" لحركة حماس فمنها رفع الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من 15 عامًا، وتسريع عملية الإعمار لما هدمته دموية وهمجية العدو في عدواناته الماضية وعلى نحو خاص عدوان أيار الماضي، كذلك تشغيل المرافق العامة، كالمرفأ والمطار، ويضيفون أيضًا بناء مدن صناعية وسياحية لتشغيل الآلاف من العمال وإصدار آلاف تصاريح العمل حتى تنتهي أزمة البطالة، ونعود مرة أخرى لتصديق أكذوبة "سنغافورة غزة"، أو ما روجوه قبل توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" مع مصر عام 1987 (مطر الدولارات).

ولكن ما ثمن كل ذلك؟! ولماذا يقدم العدو صيغ "الكرم الحاتمي" هذه، مرة ودفعة واحدة؟!

الثمن معلوم، وإن غطوه بورقة توت الهدنة الطويلة.

ولكن الاسم الفعلي لهذا الاسم الحركي للهدنة الطويلة هو رأس المقاومة وكل أشكال النضال، حتى الجماهيري السلمي منها.

هذا ما قاله عباس للطيبين منا، ثم ما لبث أن أسفر عن وجهه القبيح، وبدأ يمنع حتى التظاهرات السلمية جدًّا، ثم يعتقل ويقتل، ثم أعلن جهارًا أن المقاومة هي الإرهاب وسقط في مستنقع تقديس التخابر.

ويعلم كل ذي لب أن صك إذعان أوسلو كان له هدف جوهري، أضحى اليوم معلومًا للجميع، وهو التآمر على المقاومة أشكالها كلها عنيفة أو سلمية.

لقد جرب العدو بالنار هذا التذاكي الفج وبالسلم حين اعتقد أنه نجح في "استدراج" حركة حماس للولوج في عوالم الانتخابات، وأنه بات قريبًا من تطويعها وتطبيعها، وكان خياله (خباله) القاصر قد زين له أن حماس لن تحقق سوى أقلية متواضعة، وبذلك تتحول إلى معارضة أليفة حضارية ومعتدلة، فتجلس في الصفوف الخلفية تحمل ورقة وقلمًا وقد أضاعت البندقية، لتكتب كل ملاحظاتها النقدية الساخنة أمام كل تفريط بالثوابت، و"كأنك يا أبو زيد عمرك ما غزيت"، بغطاء إسلامي أيضًا.

وكان يرى الرجال والنساء ببصيرتهم النفاذة أن الله معهم، وأن شعبهم الصابر معهم، وأن النتائج في الانتخابات لن تكون إلا لهم.

وقد انقلب السحر على الساحر في الانتخابات، تلك البلدية وفي البرلمانية أيضا في 25 كانون الآخر عام 2006، حين أمسكت حماس بزمام الأمور لتقدم أنموذجًا يحتذى في إدارة الشأن العام المدني بكل همومه، رغم كل العقبات الموضوعية والمفتعلة، وفي ميدان المقاومة والتحرير، فأبدعت، وفي أقل من نصف عام كانت معارك "الوهم المتبدد" حين قتل وجرح عدد من جنود وضباط العدو، وأسر الجندي الصهيوني غلعاد شاليط في أكثر مواقع جيش العدو تحصينًا في جنوب القطاع الصامد، ثم لتبلي بلاء حسنًا في المعارك التي تلت ذلك لتعمق مآزق العدو واحدًا تلو الآخر، فتأسر وتقتل وتدميه عدة وعديدًا، وتفاقم من تآكل قدراته الردعية، وتضيف إليها وابلًا من توازن الردع.

ولن تجدي نفعًا كل محاولاته البائسة للالتفاف على المقاومة، التي تعلم خفاياه وتدخل إليه من نقاط ضعفه وتصرعه حتى في ميادينه في عالم (السايبر).

وعلى الجبهة الداخلية تقدم الحركة مبادراتها الوحدوية الأخوية ومشاوراتها قبل المعارك وإبانها، فأبدعت في غرفة العمليات العسكرية المشتركة، وفي المناورات، وفي لقاءات الفصائل ببيروت والقاهرة وإسطنبول وصنعاء والدوحة، في الوقت الذي تبدي فيه جاهزيتها لتقديم كل التنازلات الممكنة نحو وحدة وطنية صلبة راسخة توفر العزيز من الزمن والدماء.

وفي هذا المضمار تنازلت حركة حماس عن حقها الديمقراطي بعد اتفاق مكة في تشكيل حكومة، حتى إنها في الحكومة العاشرة قدمت كل التنازلات كي تكون حكومة وحدة وطنية، لكن كل ذلك كان دون جدوى، لأن النوايا الخبيثة طغت لحصار حماس وإفشال تجربتها وطعن الشعب وخياره الديمقراطي.

ولم يزل عباس مصرًّا على الاستمرار في لعب دور حصان طروادة، والتقاسم الوظيفي مع العدو ضد نضال الشعب ومقاومته لاسترداد حقوقه المشروعة.

ومنذ البدء أقال كرزاي فلسطين (كما أسماه الشهيد القائد المغدور ياسر عرفات) حكومة الشعب بشكل غير قانوني، ثم حل صاحب الولاية الممتدة المجلس التشريعي، وشكل سكرتاريا من مستشاريه، أسماها حكومة، بعيدًا عن تصديق ممثلي الشعب الذي حله، وهو فاقد الولاية الدستورية منذ عام 2009.

ويستمر سادرًا في غيه فيحاصر قطاع غزة، ويقطع مرتبات عائلات الشهداء والأسرى والجرحى والموظفين من أبناء شعبنا الفلسطيني المرابط الصامد في قطاع غزة العزة، وهم بعشرات الآلاف.

والسؤال الآن: هل يمكن لمن اعترف بكيان المستوطنين على أكثر من ثلاثة أرباع الوطن الأقدس فلسطين، وباع دون ذرة خجل قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهم كذلك أكثر من ثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني، وسلم القدس بمفاتيحها كي تكون عاصمة العدو، ويسفك الدماء الأغلى لشبابنا المجاهدين خدمة لحلفائه النازيين الجدد؛ هل يمكن لهذا أن يستمع لنداء ضمير، أو أن يكون وطنيًّا في أي حال من الأحوال؟!

وإلى هنا، واعلم أن كل شعبنا عدا النفر العميل المحيط بكرزاي هم مع حصاره وإسقاط "نظامه" المتآمر، وعسى ألا نجرب المجرب ربعَ قرن قادمًا جديدًا.