ثالوث السرطان والبتر وانقطاع مخصصات الشؤون يجتمع على عائلة "الأخرس"

...
ماهر الأخرس
غزة/ يحيى اليعقوبي:

"مرت عليَّ أيام ما كنت ألاقي العدس في البيت".. على مدارِ أيامٍ وأشهر خلت انتظر ماهر الأخرس وأطفاله صرف مخصصات الشؤون الاجتماعية، لكن أمام نفاد مستلزمات البيت الأساسية، وتراكم الديون وامتناع الناس أيضًا، أضيفت إليه معاناة جديدة، ليجتمع عليه البتر ومرض السرطان وتردي الحال المعيشي، تجرعت معها عائلته أيامًا "مرة" لم يستره فيها سوى جدران البيت المسقوف بألواح الصفيح ويغطي نوافذه النايلون.

ماهر الأخرس (35 عامًا) من سكان محافظة خان يونس، أصيب بمرض السرطان عام 2017م، وكان أمام خيارين مُرَّين "إما فقدان الحياة وإما فقدان قدمه اليسرى"، فاختار الخيار الثاني على قسوته، فبترت الساق من فوق الركبة فتعطل عن مهنته كسائق يعمل على نقل الركاب، يمضي وقته بين جلسات إعادة التأهيل، كان مخصص "الشؤون الاجتماعية" البالغ 700 شيقل مصدر الدخل الوحيد للأسرة.

لكنه وبعد عام من عدم صرف المخصصات ونفاد البيت من كل المستلزمات، سمع فيها صوت الجوع ينخر بطون أطفاله، قرر العودة إلى الخط العمومي لنقل الركاب ولكن بقدم واحدةٍ وآلام كثيرة في ظهره وأخرى بقيت آثارها جاثمة على موضع البتر.

حبة مسكن

كل يومٍ يبتلع ماهر حبة مسكنٍ لتأخذ أوجاعه غفوة أو بالأحرى كي لا يشعر بآلامه، يخرج من بيته صباحًا، يصطف بسيارة الأجرة التي يعمل أجيرًا عليها عند كراج "العودة" بمحافظة رفح، يقوم بمهمة النقل الخارجي بين المحافظات.

قبل الإصابة كان بإمكان ماهر النزول من سيارته والتنافس مع السائقين الآخرين لجلب الركاب، "لكنني الآن لا أستطيع النزول من السيارة كي لا يخاف الركاب مني عندما يشاهدونني بقدم واحدة".

لذا يبقى جالسًا في السيارة بانتظار أن يظفر بحمولة كاملة بعد سويعات من الانتظار، يراعيه عناصر شرطة المرور الذين يعرفون وضعه، لكن الركاب الذي لا يعرفونه كثيرًا يجرحونه بغير قصد "لو سمحت يا سواق انزل افتح الشنتة (الصندوق الخلفي)".

يعلق على المشهد الذي يتكرر معه يوميًّا بعفوية: "بنزل من السيارة؛ ما بقدر اضلني احكي لكل واحد: رجلي مبتورة، فلما يشوفني بهيك حالة بحكيلي: أنا آسف حقك علي".

آلام العمل حاضرة في حديثه: "قبل البتر كان الألم فقط إرهاقًا، أما حاليًّا فأشعر بوجع في الظهر، ومكان البتر يزيد ألمه مع البرد، القدم غير متوازية، لم أعد أجلس خلف المقود مرتاحًا، وكي أتحمل كل ذلك أتناول المسكنات يوميًّا حتى أتحمل الألم لأعمل وأوفر الطعام ومصروف أولادي".

يعود ماهر إلى أطفاله الثلاثة الساعة الثامنة مساءً، وهم نائمون أحيانًا، ويستيقظ للعمل وهم في المدرسة، يوفر دخلًا يسيرًا لا يزيد على عشرين شيقلًا تكفي لطعام اليوم، "إذا اشتغلت بناكل وإذا قعدت يومًا ما بناكلش!"، هذا الواقع الذي يعيشه، يجعله دائم الاستماع لإذاعات الراديو يتحرى أي خبرٍ عن صرف المخصصات.

قبل شهرٍ لم يحتمل آلام ظهرٍ كانت تدق مسامير الوجع بداخله، لم تنفع معها المسكنات الطبية، "زرت الطبيب لأشكو له ما أشعر به، فأجرى فحوصات في موضع القدم المبتورة؛ علمًا أنني كنت على وشك تركيب طرف صناعي، ليخبرني أن الورم الخبيث عاد للجزء المتبقي من القدم المبتورة ويبلغ طوله 7 سم، فكتب لي تحويلة للعلاج في الخارج".

أيام مرة

تأثرت العائلة كثيرًا كحال عشرات الآلاف من الأسر التي لم تصرف لها وزارة الشؤون والتنمية الاجتماعية برام الله الشيكات المستحقة لهم، مرت العائلة بظروف حياة سيئة ترسخ في ذاكرته "أصعب الشهور كانت قبل عملي على تحميل الركاب، فتراكم دين البقالة عليَّ وبلغ 700 شيقل، ثم امتنع البائع عن منحنا الدين لعدم وجود أفق واضح لموعد الصرف، وزادت الأعباء مع بدء موسم الدراسة وحاجة الأولاد لمصاريف روضة ومدرسة، فتحاملت على ألمي كي أوفر لهم أقل الأشياء".

في مايو/ أيار الماضي حصل ماهر على 750 شيقلًا من وزارة التنمية الاجتماعية، وهي آخر دفعة تلقتها 116 ألف أسرة فلسطينية مسجلة على بند المعونة الاجتماعية.

وكان من المقرر صرف الدفعة المالية الأولى نهاية شهر مارس/ آذار الماضي، على أن تُصرف الدفعة الثانية مطلع يونيو الماضي، لكن الوزارة وتحت ذرائع "عدم توفر الأموال" لم تلتزم ما أعلنته.

مسوغ يراه ماهر وغيره من متلقي الشؤون غير منطقي في وقت تصرف رواتب كل الوزارة، وكبار المسؤولين والموظفين.

يقرع الغضب أجراسه موجهًا رسالة للمسؤولين عن صرف المخصصات بلهجة عامية: "هو اللي بياخد 8 آلاف شيكل وبقلك بكفونيش، كيف اللي بياخد شؤون بـ700 شيقل بدهم يكفوه!؟ هل بسمح على نفسه انه يعيش هيك حياة (...) احنا بنشتغل عشان ما نتحاسبش على أولادنا ليش خلناهم جعانين لكوننا مسؤولين عنهم".

ينبش أكثر في تفاصيل معاناته: "مرت أيامٌ لم نجد فيها العدس الذي يتوفر في أي بيت، لم نجد شخصًا نستدين منه، مرض ابني ونقلته للمشفى ولم أستطِع توفير الدواء له، احتاج ضرسي إلى عصب ولم أستطع زراعته وتحملت ألمًا شديدًا، وحتى الآن لو تعرضت لذات المواقف لن أستطيع توفير العلاج، فبالكاد أوفر طعام اليوم وإذا لم أعمل نجوع".

يحكم الإمساك بمقبض عكازته وهو يسير بوتيرة بطيئة وأخرى سريعة محافظًا على توازنه في أثناء صعوده بيتَه المسقوف بألواح الصفيح على الطابق الرابع، يغطي النايلون نوافذه، يعيش مع أطفاله الثلاثة ليان (ست سنوات) ولين (خمس سنوات) ونسيم (سنتان) في غرفة واحدة لا يدخل الهواء من نوافذها، كما لا تقيهم البرد.