قائمة الموقع

الطفلة "جوان".. زيارة يتيمة تعيد الحياة لجسد ميت ولكن!

2021-11-03T12:28:00+02:00
الطفلة جوان كايد الفسفوس

بعد اليوم الخامس والتسعين على إضراب والدها، اعتلت الفرحة وجه طفلته الوحيدة جوان (7 أعوام) حين جمدت سلطات الاحتلال اعتقاله الإداري ورفعت الحراس والقيود عن يديه وقدميه وهو على سرير المشفى، وقبل أن تدخل غرفته في مشفى "برزلاي" أوقفها جنود الاحتلال وأبعدوها هي وأمها وجدتها ومنعوهن من الدخول.

حاولت جوان إعلام والدها بقدومها، فنادت عليه علَّ صوتها يخترق الزجاجي المغلق فيلتفت مرسلًا قبلاتها إلى وجنتيها.

دارت عقارب الساعة دورتها، ثلاث ساعات من الانتظار مرت بطيئة على قلب جوان ووالدتها، إلى أن سمح لهم الاحتلال بالدخول، ركضت كمتسابق يريد اجتياز خط النهاية تفتح ذراعيها لوالدها لتظفر بمضمار شوقه.

عانقته وأطالت العناق، فقد كان الأول لها منذ أسر والدها كايد الفسفوس في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، لم تتحصل في تلك المدة على فرصة لزيارته في السجن بدواعي أزمة فيروس "كورونا" وعدم وجود تصريح، وأسباب أخرى لم تستوعبها الطفلة أُخبرت فيها بأن "والدها معاقب".


 

تقول الأم: "عندما دخلت على زوجي كايد، تفاجأت به، رأيته باهت الوجه نحيف الجسد، استحضرت صورته قبل الأسر وهو مفتول العضلات، لم أتخيل رؤيته هكذا يرقد هزيلا ذابلًا لا يستطيع فتح زجاجة ماء، وهو الذي كان يرفع أثقالًا تزن 100 كغم يمارس رياضة كمال الأجسام، في ذلك اليوم الذي سمح لنا بزيارته فيه لم ينم، وقال لي: "نمت كتير بدي اضلني معكم". كان سعيدًا، رأيت الفرحة تملأ وجهه وهو يقول: "كنت ميتًا والحياة عادت إليَّ بوجودكم".

زيارة يتيمة

مشاهد الزيارة اليتيمة تلك لا تزال عالقة في ذهنها: "كان سعيدًا، وظل يقول: أنا مش مصدق أنه إنتو عندي، شعرت وكأنه نسي الإضراب، لا يهمه ما سيحصل معه بعد رؤيته لنا، ظل مستيقظًا منذ الساعة الثالثة عصرًا وحتى صباح يوم الجمعة التالي، سهر مع جوان وتركها تنام في حضنه، أدركت أنه يكابر على ألمه ويتحامل عليه، يريد احتضان طفلتنا الوحيدة أطول فترة ممكنة، وهي لا تدرك أن الحضن الذي تنام فيه، خاوي الأمعاء، وجسد تتألم كل عظمة فيه، لكنه ظل يكابر".

في اليوم الثاني، بدلت ملابسه التي لم يبدلها منذ مدة وغسلته، وعند الثامنة مساءً كسرت الفرحة وكأننا استيقظنا من حلم جميل حينما جاءت شرطة الاحتلال وأخرجتنا من المشفى بحجة عدم وجود تصريح مرافق، لم تستجِب شرطة الاحتلال لطلبه بتركنا عنده ليوم آخر، لكنهم أخرجونا، فغضب وألقى بزجاجات المياه على الأرض وظل يومًا ثانيًا دون مقدرة على الشرب.

خلال خمس سنوات، اعتقل كايد الذي يعمل موظف أمن في بلدية الخليل نحو أربع مرات إداريًّا، تزامنت اعتقالاته مع كل مرة يحاول إكمال دراسته الجامعية تخصص "برمجة حاسوب"، وعندما هدده ضباط الاحتلال بمنعه من إكمال دراسته قرر مواصلة الإضراب عن الطعام حتى يعيش مع ابنته جوان، التي يحرم منها عنوة وهو على قيد الحياة.

اليوم تجاوز كايد اليوم العاشر بعد المئة في إضرابه عن الطعام، رقم مخيف يمر على زوجته، إذ يرفض تلقي المدعمات وانخفضت دقات قلبه إلى 38، "قلقون عليه، العائلة تعيش توترًا نفسيًا عاليًا، لا يوجد بأيدينا شيء لنفعله سوى الدعاء".


 

جوان تساند والدها وحدها

أما جوان فتواصل إيصال رسالة والدها إلى العالم من خلال خيمة اعتصام مفتوح أقامها أهالي مسقط رأسه في منطقة "دورا" في الخليل، والذي نشطوا في نشر فيديوهات لتحشيد الرأي العام مع قضية.

ببراءة تسأل الطفلة أمها: "مين بقدر يساعد بابا.. رئيس فلسطين بقدر؟! (...) لم أملك إجابة عن سؤالها، جوان مقهورة على والدها خاصة حينما ترى فيديوهات على الهاتف لوالدها وهو يلاعبها قبل الأسر أو عندما كانت أصغر سنًّا تريد رؤيته بقربها".

على جدار غرفتها علقت صورته فوق سريرها، تلقي عليه التحية كل صباح: "صباح الخير يا بابا.. صباح الحرية"، في حين بات سؤالها لأمها المتكرر قبل النوم: "فش خبر حلو عن بابا؟"، ثم ترسل بدعائها إلى السماء رافعة أكفها الصغيرة: "يا رب أصحى وألاقي خبر حلو".

تتابع الزوجة حديثها بنبرة غاضبة وكأنها تلقي آلاف اللعنات على الاحتلال: "لا يوجد سبب لاعتقال كايد، بعد ثمانية شهور من خروجه من السجن، اعتقلوه في أكتوبر 2020 والآن يغيب عنا منذ عام، بالكاد يلقط أنفاسه من اعتقال حتى يعود إلى آخر، كايد متفوق بدراسته، أمنيته أن يكمل البكالوريوس، يحب رياضة كمال الأجسام وهي التي ساعدته على إضرابه".

تفتقد جوان ووالدتها لأيام حلوة جمعتها بوالدها الذي يحب الحياة، فقد كان يريد إنشاء قناة لها على "يوتيوب" لتطل على العالم برحلات يومية يصورانها معا، يريد تلبية رغباتها وكل شيء حرمه الاحتلال منه.

رسمت الطفلة صورة اختصرت فيها حكايتها وما تعيشه. يظهر والدها ممددًا على سرير المشفى، أما هي فتقف غير بعيدة عنه ترفع علم فلسطين، وفي إطار الرسمة بيت به طاولة ومقعدان لها ولوالدتها وأمامهن وضعت طبقي طعام، على حين ما زال مقعد والدها فارغًا، على مدخل البيت كتبت في الرسمة: "الحرية لبابا".


 

اخبار ذات صلة