نقاط الضعف في البيئة الإستراتيجية لدولة الاحتلال

...

تمر دولة الاحتلال منذ نشأتها بمجموعة من نقاط الضعف التي تؤرق الخبراء وصانعي القرار الذين يحاولون طيلة سنوات إيجاد حلول لها، تتمثل في مشكلة تراجع الدور الأمريكي في المنطقة والتحول من حالة القطبية الواحدة إلى ثناية أو ثلاثية القطبية في العالم من جديد، أما على المستوى الداخلي فمشكلة العمق الإستراتيجي لا تزال حاضرة، إضافة إلى النزاعات الداخلية، والفجوات الاجتماعية.

التراجع الأمريكي

تستمر مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بالتراجع في ضوء موقف إدارة الرئيس جو بايدن الذي بدا متحفظاً على استخدام التدخل العسكري في المنطقة، وبدأ في الانسحاب من أفغانستان ويرغب في ترتيب القوة الأمريكية في المنطقة، وهو ما يؤثر في تطلعات ((إسرائيل)) التي تستند إلى الرغبة الأمريكية الدائمة بتعزيز مكانة واشنطن وعظمتها والاستعداد لاستخدام القوة المكثفة ضد خصومها في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة.

في المقابل، تشكل العلاقات المميزة بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة أحد المركّبات الهامة في قوة ((إسرائيل)) العسكرية والردعية. وعليه فإن صورة الولايات المتحدة الواهنة، إلى جانب إمكانية أن يكون هناك توتر في علاقات الحكومة ال(إسرائيل)ية مع الولايات المتحدة نتيجة التراجع الأمريكي؛ ما سينعكس سلبيًّا على (إسرائيل).

الاتصالات بين دولة الاحتلال والولايات المتحدة بشأن اتفاقية المعونات الأمنية للسنوات العشر المقبلة، جسّدت، من جهة، الالتزام الأساسي الراسخ الذي لا يزال قائما في الولايات المتحدة تجاه أمن (إسرائيل) ويحظى بدعم عابر للأحزاب، ومن المرجح ألا يحصل أي تغيير في ذلك خلال إدارة بايدن.

يوجد عدد من نقاط الخلاف بين الإدارة الأمريكية والاحتلال ما زالت قائمة، ويمكن أن تُتعزَّز، تتمثل في طريقة التعاطي الأمريكية مع الملف الإيراني، وأيضا سياسة الاستيطان الإسرائيلية التي تعتبرها الولايات المتحدة عقبة مركزية في طريق المساعي السياسية للتوصل إلى حل للنزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهذه النقاط قد تؤدي لأن تصبح العلاقات أقل دفئا، وقد تشهد فتوراً مع الحزب الديمقراطي واستمراراً بالوتيرة السابقة مع الحزب الجمهوري والجالية اليهودية في الولايات المتحدة.

هناك خشية لدى دولة الاحتلال من أن انسحاب الإدارة الأمريكية وانشغالها في مواجهة الصين وروسيا خلال الفترة المقبلة سيؤدي إلى تراجع الاهتمام بـ (إسرائيل) وقضاياها؛ ما سيؤدي إلى تقوية نفوذ محور المقاومة في المنطقة واستمرار إيران في تموضعها حول (إسرائيل)؛ ما سيؤدي إلى تعرض دولة الاحتلال للخطر وإمكانية تعرضها لهجوم أو كسر لحالة الردع التي تدار بها حالتها الأمنية المحيطة بها في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن وقطاع غزة.

أيضًا هناك تخوفات لدى دولة الاحتلال من تطور الحالة التي حدثت خلال معركة سيف القدس في واشنطن عندما أضحت أصوات النواب الديمقراطيين المنتقدة للأعمال العسكرية الإسرائيلية أكثر صخبًا من أي وقت مضى، وربطت القضية بمناقشات العدالة العرقية والاجتماعية في أمريكا، واحتدم الخطر عندما تجاوزت الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي لتصل إلى السيناتور بوب مينينديز، أحد أقوى حلفاء (إسرائيل) الديمقراطيين، الذي أدان بحدة الضربات الصاروخية التي شنتها (إسرائيل) على غزة.

في حين أظهرت تقديم التقدميين في الكونغرس قراراً يعارض بيع (إسرائيل) أسلحة بقيمة 735 مليون دولار لـ(إسرائيل) وافقت عليه إدارة بايدن، وعرقلة إعادة دعم القبة الحديدية مؤخراً شكلاً متنامياً للمعضلة داخل أمريكا تجاه (إسرائيل).

العمق الإستراتيجي

وبالنظر إلى المعضلات الداخلية، التي تتمركز على رأسها مشكلة العمق الإستراتيجي، تعاني دولة الاحتلال مشكلة العمق الإستراتيجي، وهو ما يجعلها دائما تخاف من المواجهات العسكرية، إذ إن عرض فلسطين من نهر الأردن حتى البحر يعد مساحة غير كافية للدفاع أمام هجوم بري من أي جهة معادية، في حين يمثل الفلسطينيون في قطاع غزة والضفة الغربية أكبر خرق للعمق الاستراتيجي لـ(إسرائيل)؛ ما يجعله مهددًا دائمًا رغم محاولات السيطرة عليه.

وبرغم تطوير الجيش الإسرائيلي لقدرات غير مألوفة لتدمير أعداد كبيرة من الأهداف المتنقلة والثابتة في آماد كبيرة وبدقة عالية كحل لمشكلة العمق الاستراتيجي، إلا أن حروباً قد تشنها قوات لا دولانية تتحرك بتقنيات تخفٍّ متطورة يمكنها أن تعيد الدولة لذات المعضلة التي كانت في البداية.

وتتلخص معضلة العمق الإستراتيجي في أن (إسرائيل) منذ سنوات باتت لا تستطيع استخدام استراتيجيات المعارك على أرض العدو كحل لمشكلة الجغرافيا الضيقة، وهو ما يعني تضاعفًا في المخاطر الأمنية، وقدرة أعداء (إسرائيل) على التأثير في الحياة والاقتصاد بـ(إسرائيل)؛ ما يمثل معضلة أمنية اقتصادية مركبة.

الديموغرافيا

تتعاظم مخاوف الاحتلال من تعاظم الوعي القومي المتنامي لدى فلسطينيي 48 بالإضافة لارتفاع معدلات الخصوبة لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفشل الحكومات المتعاقبة في تحقيق التوازن الديموغرافي على الرغم من الإغراءات التي تقدمها الحكومة والوكالة اليهودية لزيادة عدد الولادات ولجلب مهاجرين جدد، بل إن عدد الراغبين في الهجرة المعاكسة قد تزايد.

وتتنامى التخوفات الإسرائيلية في ظل ارتفاع عدد الفلسطينيين بوضوح ما وزيادة الكثافة السكانية في الأراضي المحتلة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيرات على المستوى السياسي الداخلي أو الصدام الدائم مع الفلسطينيين.

النزاعات الداخلية

تتعاظم الخلافات الداخلية في دولة الاحتلال في ضوء عشرات الأحزاب التي تتصارع على السياسة والحكومة، فالحالة الداخلية الإسرائيلية مقلقة للمفكرين الإسرائيليين الذين يرون أنها تعاني انقسامات حادة على صعيد الواقع السياسي ما بين يمين ووسط ويسار ومتدين وعلماني، في ضوء تقلص القضايا المركزية التي يمكن أن يجتمع عليها مختلف الأطراف؛ ما يشكل تهديداً قد يدخل الدولة مجدداً في دوامة الانتخابات المتكررة دون وجود حكومة قوية قادرة على اتخاذ خطوات استراتيجية.

ومن أبرز مشكلات النزاعات الداخلية في (إسرائيل) حالة عدم الاستقرار السياسي داخل الحكومة والمركزية المفرطة، ولا سيما الحكومة المركزية بمواجهة الحكومة المحلية، وانعدام الثقة بين المنتخبين والمهنيين، والتعاون غير المرضي بين الوزارات الحكومية.

الفجوات الاجتماعية

برغم الاقتصاد القوي في (إسرائيل) الذي صمد في ظل أزمات اقتصادية عالمية تحتل المرتبة الأولى من حيث عدد الفقراء بالمقارنة مع الدول المتقدمة، وذلك يعود لارتفاع تكلفة السكن وغلاء المعيشة؛ الأمر الذي خلق فجوة اجتماعية في طبقات مختلفة جعل أهم أولويات الحكومة الحالية تقليص الفجوات الاجتماعية، وما زال الغربيون يسيطرون على الدولة، ولم يتولّ شرقي رئاسة الوزراء أو الشاباك أو الموساد، في حين تنخفض أجور الشرقيين عن الغربيين بنسبة 20%.

ولا تزال الفجوات الاجتماعية متجذرة، لأن الحريديم 10% من السكان لا يعملون ومن ثم يتلقون المساعدة من الدولة ويبقون تحت خط الفقر ويستنزف الدولة، في حين يعتبر فلسطينيو الداخل عام 1948 هم الأكثر فقرا في دولة الاحتلال.