القدس والمسجد الأقصى.. أين الرؤية والخطة؟!

 

طوال العقد المنصرم، والتوجهات الإسرائيلية نحو القدس والمسجد الأقصى تُعلن نفسها بوضوح متصاعد، في خطوات عملية، تجلّت في الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى، التي تمهّد لتقسيمه زمانيّا، في خطوة على طريق تقسيمه مكانيًّا.

وبالإضافة إلى الأهداف الاستراتيجية لعزل القدس عن محيطها الجغرافي والديموغرافي الطبيعي في الضفّة الغربية، فإنّ هذا العزل في جانب منه، وكما أنه يهدف إلى الاستفراد بالمدينة المقدسة وسكّانها، فإنه يهدف كذلك إلى كبح التدفق البشري الفلسطيني إلى المسجد الأقصى، لتسهيل عمليات اقتحامه وحماية مقتحميه الصهاينة. وهذا السياق من عوامل حظر الحركة الإسلامية الشمالية في الداخل المحتل عام 1948، والتي كانت، من بين عموم القوى الفلسطينية، الأوضح رؤية، والأكثر عملية في التحذير من مخططات الاحتلال تجاه المسجد الأقصى، ومواجهتها فعليّا طوال الوقت، ودون التكلّس في صور ردود الفعل.

لا أسرار في مخططات الاحتلال، فاستراتيجية الاحتلال في الضفّة تقوم على ثنائية الضمّ والفصل، والتي تعني تكريس وجوده في الضفّة، مع ضمّ مناطق واسعة منها، وفصلها عن بقية الضفّة، وعزل المناطق الفلسطينية المفصولة عن بعضها، وبالضرورة عزلها عن القدس وهذه الرؤية، التي تحظى حدود أساسية منها بإجماع إسرائيلي، لا تستند فحسب إلى الأيديولوجية الصهيونية ودعايتها، بل إلى استشراف مستقبلي وجودي، يلحظ الأهمية القصوى للضفة الغربية في أيّ مواجهة محتملة، لا على الصعيد العسكري فحسب، إذ تمثل الضفّة عمقا استراتيجيّا للعدو مجتمَعا وقوات، ولكن أيضا على مستوى تسوية الواقع على مقاس السردية الصهيونية، وهو ما يقتضي إعادة هندسة الديموغرافيا لخدمة هذه الرؤية الإستراتيجية بأبعادها كلّها، وبما يجعل العودة للوراء أمرا مستحيلا.

بالرغم من انقسامات العدوّ ومظاهر تراجعه، فإنّه متقدّم فعليّا على الأرض، ولا يفتقر إلى الرؤية ولا إلى الخطة العمليّة، ولا إلى الإجماع على أسس مركزية في الموقف من الصراع مع الفلسطينيين، وموقع القدس والضفّة الغربية من ذلك، ولا يجعل من خطواته بطيئة إلا الهبّات الشعبية المتكرّرة منذ العام 2014، والمرتبطة بأوضاع القدس، وباعتداءات الاحتلال على المسجد الأقصى. وقد كان لبعض هذه الهبّات ارتدادات واسعة، كما في هبّة القدس تشرين الأول/ أكتوبر 2015، والتي استمرت للأمام في القدس والضفّة الغربية، في أنماط متنوعة من المقاومة، ومعركة سيف القدس الأخيرة في أيار/ مايو الماضي، والتي عمّت فلسطين كلّها، وأعادت حشد الاهتمام العربي والدولي، ولا سيما في مستوياته الشعبية، خلف الفلسطينيين.

لا يراهن العدوّ على مجرّد القوّة، بل على نفوذها في الواقع، ومن ذلك المنظومة الأمنيّة التي ظلّ يطوّرها منذ انتفاضة الأقصى، وأدوات الضبط والسيطرة التي ظلّ يراكمها مع الوقت، مما يجعل حركة الفلسطينيين المنظّمة خارج ملاحظته غاية في الصعوبة، والأخطر من ذلك، نجاحه في خلق مجتمعات فلسطينية متباينة في الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، مما يدفع أولوية القدس والأقصى إلى الخلف، وتعزيز ذلك بسياسات "السلام الاقتصادي"، وإعادة تعريف السلطة وتجديد دورها الشارط لوجودها، منذ انتفاضة الأقصى ثمّ منذ الانقسام، وبالتأكيد على محدوديتها السياسية، من حيث إغلاق أفق الارتقاء السياسي أمامها، بإحالتها إلى هدف قائم في ذاته، ومن ثم مرهون لوظيفته، الأمر الذي منع تطوير أيّ جهد نضالي جدّي ومؤثر لكبح التمدد الاستعماري للاحتلال، أو لتعزيز صمود المقدسيين.

في المقابل، وفي مواجهة تامة إزاء أهداف العدوّ، ينبغي أن تكون القدس، وفي قلبها المسجد الأقصى، في صدارة أولويات الفاعلين الوطنيين، لا بهدف مواجهة السردية الصهيونية في الواقع المادي فحسب، بل وكذلك بهدف المسّ بتنظيماته الاستراتيجية الرامية إلى محو المستقبل السياسي للفلسطينيين، وتكريس وجوده الاستعماري، مستفيدا من حالة الارتباك النضالي الراهنة، واستمرار السياسات التطبيعية، والتي تترتب عليها المبالغة في حصار الفلسطينيين، وإفشال نضالاتهم، وابتزاز قواهم المقاومة.

لا شكّ أن أساس الشلل النضالي، وارتباكه في أحوال أخرى، ناجم عن مآلات مشروع التسوية، وما ارتبط به عضويّا من سياسات وهياكل وأبنية. وإذا كانت السلطة بسياساتها هي التجلّي الأكبر لذلك، فإنه لا يمكن الادعاء في المقابل بأنّ لدى خصومها ومنافسيها رؤية واضحة، أولا لتجاوز رهانات الاحتلال من سياسات ووقائع ضخمة ماثلة في الواقع، وثانيا لوضع القدس في صدارة الاهتمامات الوطنية.

يجدر التذكير هنا، بموقع التأثير المتبادل للقدس والمسجد الأقصى، فكما أنهما جوهر الدعاية المضادة لطرفي الصراع، فإنهما عامل تثوير واضح في السنوات الأخيرة، ما يمنح قوى المقاومة، والقوى المعارضة لمشروع التسوية، الفرصة لإعادة بناء نفسها داخل متون التثوير هذه، كما أنّها قاعدة جمع وتوحيد كما ظهر في معركة سيف القدس، بيد أنّ اقتصار الحالة الثورية، الكلّي، في المدينة المقدسة وفي ارتداداتها في الضفة؛ على المسعى الجماهيري غير المنظم، يعني محدودية الحالة، واستنزافها بمرور الوقت، وهذه واحدة من أكبر رهانات الاحتلال.

إنّ وظيفة القوى المنظمة هي التأطير والتنظيم والتعبئة والحشد وتوفير الموارد، لا مجرد دعوة الجماهير للتصدي والثورة والانتفاضة، وإذا كانت الثورات غالبا تنبثق في لحظة غير متوقعة من فعل جماهيري غير مؤطّر، فإنّ قوى الثورة تسبق ذلك بإعداد نفسها لالتقاط اللحظة المناسبة للبناء عليها، ولمدّ الحالة الثورية وتطويرها، ومن ثمّ فإنّ أوّل الواجبات هو وجود بنى مستعدة للحظة كهذه، وهي بدورها تحتاج تكاملا تنظيميّا ورؤية موحّدة، وهو ما لا يبدو بالنظر إلى محدودية القدرة على استثمار الهبّات العديدة منذ عام 2014 فصاعدا.

وفي الأثناء يمكن النظر في الخطابات العامة، بما يتخلّلها من تعبئة عامّة، للبحث عن وجود رؤية إعلامية تبقي القدس والمسجد الأقصى في صدارة المعلومات اليومية والاهتمام اليومي للفلسطيني. ولا يكفي والحالة هذه وجود بعض المؤسسات المهتمة، أو بعض المؤسسات الإعلامية التي تتسمّى بما يرتبط بالقدس والمسجد الأقصى، بل لا بد من وجود ضخ مكثف ومركز وبالغ التنوع، للإحاطة بكلّ ما يتعلق بالقدس والمسجد الأقصى على مدار اليوم.

والأهم من كل ذلك تعزيز صمود الناس في أرضهم، وكبح الظروف التي تحوّل الأراضي الفلسطينية إلى بيئة طاردة، والإلمام بأوضاع المقدسيين على وجه الخصوص من جميع الجوانب، ومواجهة سياسات الاستنزاف البشري والاقتصادي التي يفرضها الاحتلال على المقدسيين. وبقدر ما أنّ المهمة صعبة، والاحتلال يملك أدوات التفوق المادي في ذلك، فإنّ وجود رؤية متكاملة، وتجليات عملية لها، تلاحَظ في الواقع هو أمر ممكن، لكنه غير موجود بعد.