بالموسيقى.. الفن والطب يجتمعان في جلسات التفريغ النفسي

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

بمقاطع موسيقية خالية من الكلمات، ممزوجة بصوت زخات حبات المطر وهي تتساقط على الأرض، أو صوت خرير الماء المناسب على منحدر، وأصوات الأمواج المتلاطمة، ينفض شباب غزيون آثار العدوان والحصار المحيطة بجدران قلوبهم عبر جلسات علاجية تشكل الموسيقى جانبًا منها.

وفي مكان تطل نوافذه على الواجهة الغربية لمدينة غزة، تقام جلسات علاج فردية ولقاءات جماعية لأفراد يعانون آثارًا نفسية عديدة من جراء ضغط الظروف الناجم عن الحصار والحروب الإسرائيلية على القطاع.

في إحدى الجلسات العلاجية الفردية داخل مركز "كيان" الثقافي بمدينة غزة، كان "محمد" يجلس مسترخيًا يستمع لمقطوعة موسيقية أراد من خلالها المختص النفسي دفعه للخروج من الضغط والكبت واضطراب ما بعد الصدمة، ومنحه مساحة للحديث وفك الأقفال التي تكبله.

وينظم المركز جلسات علاج جماعية يغلب عليها الطابع الثقافي، إذ تصدح أصوات العازفين بأنغام "العتابا والميجنا"، يدندنون على آلة العود "يا زريف الطول وقف ت قولك.. رايح عالغربة وبلادك أحسنلك".. لا يجد المستمع إلا الإنصات أمام أصالة الكلمات الفلسطينية التراثية وسط بهجة يرسمها تفاعل الحضور.

ويعد العلاج بالموسيقى أمرًا غير مألوف في قطاع غزة، غير أن هذا النمط كان قد اكتسب اعترافًا رسميًّا بعد الحرب العالمية الثانية في المستشفيات التي عالجت الناجين من آثار الحرب، واتسعت دائرة الفوائد، لتلعب الموسيقى دورًا متزايدًا في علاج أنواع مختلفة من الأمراض البدنية والنفسية، مثل الآلام المزمنة، والقلق والاكتئاب، من خلال تأثيراتها البيولوجية المباشرة، مثل خفض معدل ضربات القلب، وضغط الدم.

آلية العلاج

تقول د. تغريد شعفوط، الاستشارية النفسية والتربوية: إن العلاج بالموسيقى على أنه أحد أنواع العلاج النفسي يتبع بشكل أكبر بالغرب ونادرًا ما يطبق بغزة، ولأول مرة يُستخدم من خلال مركز متخصص.

وتوضح ورئيس مجلس إدارة "كيان" لصحيفة "فلسطين"، أن الموسيقى نوع من أنواع الترفيه عن النفس، فالضغط النفسي يولد الحاجة أحيانًا للاستماع للموسيقى للاسترخاء أو للاستماع للقرآن الكريم للشعور بالراحة النفسية، وهذا ما نسعى لإدخاله بالعلاج ونشره للتخفيف من وطأة الضغط النفسي على أهلنا في قطاع غزة".

وأضافت: "نعيش حالة استثنائية ونتعرض لضغوط كبيرة نتج عنها تفكك أسري، وانتحار، وعنف ضد المرأة، وهذا كله بسبب الضغوط التي أوجدها العدوان الإسرائيلي والحصار المفروض على القطاع".

وتعتمد آليات العلاج على الجلسات الفردية الخاصة، فبعدما تأتي الحالة للمركز تستقبلها وحدة إرشاد نفسي مجهزة يقع على عاتق الإخصائيين فيها تقديم العلاج.

وتعزو شعفوط نجاح الجلسات إلى مدى تقبل الحالة لها لهذا العلاج القائم على التفاعل مع النوتات الموسيقية، "وكلما تفاعلت الحالة استماعًا أو بالحركات والإيماءات أكثر، نستطيع أن نصل إلى مرحلة متقدمة من العلاج خلال مدة أقصر"، مشيرة إلى أن عدد الجلسات العلاجية تتراوح بين عشرة إلى عشرين جلسة.

وتنبه إلى أن العلاج لا يقتصر على الموسيقى فقط بل يتضمن أنشطة تفريغ انفعالي وأنماط وطرق علاج أخرى كالكتابة وإعداد بعض الواجبات والمهام التي تكلفهم بها المختصة كذلك وضعيات التنفس السليمة، مشيرة إلى أن المركز ينظم أمسيات ثقافية وطربية بشكل جماعي وشعرية يوفرها المكان بإطلالته الهادئة.

لطالما كانت النظرة المجتمعية لمرتادي المراكز النفسية "وصمة عار"، رغم وجود توعية وتطور يخالف تلك النظرة، كما تقول شعفوط، مشيرة إلى أن إدماج الموسيقى في العلاج النفسي يمكن أن يزيل هذا الاعتقاد الخاطئ.

وحول الفئة المستهدفة، توضح أن شرائح المجتمع كافة مثقلة بالهموم والأوجاع ويمكن أن تخضع للعلاج النفسي المعزز بالموسيقى.

ولكل شخص موسيقى خاصة يفضل الاستماع إليها، بعضها تثير الشجن والحنين وتشعل الذكريات السعيدة. في قطاع غزة كانت الطائرات الإسرائيلية تعزف سمفونية الرعب خلال العدوان الأخير في مايو/ أيار الماضي.. أصواتها وهي تأخذ مواقع أقرب فوق منازل المواطنين، صوت صواريخها في طريقها نحو السقوط، الرعب الذي تحدثه الانفجارات، كل ذلك لا ينساه أحد من المواطنين الذين يعتقدون أن العلاج بالموسيقى لن يجدي نفعًا في حالة غزة.

وفي هذا السياق تؤكد شعفوط أن هذه الأنماط العلاجية أمام تحدٍّ في مدى نجاعتها وقدرتها على علاج الحالات المضطربة.