باللعب والتعليم النشط

مبادرات مدرسية لرسم الفرحة وإعادة إدماج الطلبة في العملية التعليمية

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

قبل قرع جرس انصراف الطلاب، جلست المعلمة منى إبراهيم بين طلابها الذين التفوا حولها بحلقةٍ دائريةٍ، تسرد لهم قصة حرف "السين" -كما دعتهم- فبدأت في سرد أحداثها.

"اصطحب والد سامي وسمير وسيما أطفاله ليلة العيد إلى السوق!".. قاطعها أحد الطلاب "مس (معلمة)؛ احنا ما كان عنا عيد وما فرحنا بالمرة"، دخل على خط الحديث طالب آخر "كمان ما تعيدنا"، وآخر استحضر المأساة التي عاشها خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة مايو/ أيار الماضي: "كان في قصف كتير وما البسنا أواعي العيد".

صمتت المعلمة قليلًا ثم وجدت نفسها أمام فرصة لإسعاد طلبتها ومسح تلك الذكريات التي اجتاحتهم فجأة: "خلص يا حبايب قلبي، ولا تزعلوا بكرا بنعمل عيد بالصف"، أحد الأطفال عاد للسؤال: "حنلبس أواعي عيد!؟"، فوافقت المدرسة: "أكيد حنلبس"، طفلٌ آخر فاجأ معلمته: "بس هون ما في عيدية مثل ماما وبابا"، ابتسمت وهي تحتضنه: "حاضر راح عيدكم حاجة رمزية تبقى ذكرى بيننا".

غادر طلاب الصف الأول بمدرسة "ذكور البحرين" في حي تل الهوى بمدينة غزة، والفرحة تحفهم، أخبروا عائلاتهم بأن معلمتهم ستنظم عيدًا لهم.

تستحضر المعلمة "منى" بقية التفاصيل: "راسلني الأهالي عبر مجموعة التواصل عبر تطبيق (واتس أب) وأخبروني أن الأطفال تحمسوا أن هناك عيدًا، حتى أنهم ناموا في وقتٍ مبكرٍ، بعضهم جهز ملابسه الجديدة ووضعها بجواره".

في صباح اليوم التالي، جاء الأولاد إلى الصف، يرتدون ملابس جديدة، كانت المدرسة قد وصلت قبلهم وعلقت حبال الزينة، ووزعت الطاولات بشكل مربع، وفي المنتصف وضعت طاولتين امتلأتا بالطرابيش والبالونات والحلوى، فأطلقت العنان للسماعة الصوتية لاستقبال الطلاب: "إجا العيد.. إجا العيد.. يلا نلبس ثوب جديد!"، والطلاب يدورون بحلقة دائرية بعدما لونت وجوههم.

كان وقع النشاط العفوي أكبر مما توقعت المعلمة "منى": "عندما رجع الأطفال لبيوتهم، تواصل معي الأهالي، أخبرني بعضهم أن الأطفال طلبوا رفع الملصق المطبوع عليه عبارة تهنئة بالعيد، في مكان بعيد ليحتفظ بها".

وشكل النشاط مساحة للمعلمة لتعليم الطلبة كيفية التهنئة والاحتفال بالعيد، مدركةً أنه "لا بد أن توفر المدرسة مساحات صديقة للطفل تلبي فيها رغباته وأمنياته، بحيث تكون داعمة ومحفزة ومشجعة، تزيد من دافعية الطالب للتعلم وتحقيق أحلامه وتطلعاته".

ذاكرة من العدوان

تمسك ريماس أبو داير قطعا من البسكويت وتدور بين الطالبات والمعلمات بمدرسة القاهرة الابتدائية للبنات تقدم لهن "رحمة عن روح شقيقتها الشهيدة رفيف!"، التي استشهدت خلال قصفٍ إسرائيلي لمبنى سكني ملاصق لمنزل عائلتها.

في البدايةِ كانت ترفض "ريماس" التي تدرس بالصف الثالث المشاركة مع الطالبات، تنطوي مع نفسها كلما فتحت الكتاب تطل عليها شقيقتها الشهيدة من تلك الصفحات وأحيانًا تبكي بلا سبب.

معلمتها منال مطر لم تكن مدرسةً فقط بل طبيبة حاولت تضميد جراح قلبها، "مع بداية الفصل قمنا بإعداد برنامج تفريغ نفسي خاصة أن مدرستنا تقع بمنطقة مجزرة ارتكبها الاحتلال بحق سكان شارع الوحدة، معظمهن كن لا يردن الحديث عن القصف، لا يردن إحياء تلك الذكرى".

خصصت المعلمة وقتًا في المتابعة الخاصة لـ"ريماس"، لكن كانت البداية صعبة: "قالت لي والدتها: إن الطفلة حزينة على فقدان (رفيف) وأنها أصبحت وحدها، بعدما كانت تذهب معها للمدرسة، وتكتبان معًا فلم يكُن استيعاب ذلك أمرًا سهلًا".

لم يبقَ حال "ريماس" على ما كانت عليه، انخرطت في كشافة المدرسة، وأصبحت تتفاعل مع الطالبات، وأثمر جهد معلمتها، "أصبحت الآن قريبة جدًّا مني، تحل الدروس أولًا بأول، وتأتي لتطلعني على امتحاناتها، كما أصبحت تقرأ جيدًا وتكتب جيدًا، تشارك في الفصل، دائمًا أشجعها بكلمات تحفزها للتطور والتحسن وهذا ما يسعدها ويسعدني".

ظروف متفاوتة

رغم أهمية تلك الأنشطة، فإنها بحسب الأخصائي النفسي د. سامي عويضة تخفف من آثار الظروف العامة التي مر به أطفال غزة، لكن لا تلغيها.

ورأى عويضة في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن هذه الأنشطة "اجتهادات من مدارس ومعلمين.. الأهم أن تُقيَّم التجربة من قبل الأطفال أنفسهم".

واستدرك: "لكن ذلك عملية صعبة، ومن ثم يجب أن تتم عملية فرز الحالات ومن ثم تنظيم البرامج".

جزء من العلاج الذي يؤكده عويضة للأهل دور مهم فيه، فيجب أن يتم إرشاد العائلات حول آليات التعامل مع الأطفال، مشيرًا إلى وجود فجوات كثيرة تواجه الطلاب كمشكلة التعليم الإلكتروني والعدوان والفقر.

ويختم أن سد هذه الفجوات يعتمد على الاستراتيجيات التي وضعتها وزارة التربية والتعليم لمواجهة التحديات القائمة.

المصدر / فلسطين أون لاين