وعدة الآخرة وإمكانية التحرير

نظمت هيئة "وعد الآخرة" مؤتمرًا استشرافيًّا بمدينة غزة؛ بهدف دراسة واقع فلسطين بعد عملية التحرير ودحر الاحتلال الإسرائيلي منها، هذا المؤتمر يدفعني ويدفع كثيرون للتأمل حول الجدوى منه وأهمية إقامته في هذا التوقيت متسائلًا في ذات الوقت هل هو عمل بروتوكولي تعبوي كما غيره من الفعاليات؟ أم أنه أكثر أهمية وعمقًا؟ وهل بتنا فعلًا على مشارف تحرير فلسطين؟ أم أن هذه الخطوة لها دلالات ورسائل مختلفة تتخطى الجغرافية الفلسطينية وتقرع الأجراس في المنطقة والعالم للتذكير بالحق الفلسطيني وضرورة دحر الاحتلال؟

ففي الحقيقة هذا المؤتمر بالغ الأهمية؛ فقد تم إطلاقه تحت رعاية قائد حماس في غزة (يحيى السنوار) وذلك بالتنسيق والتشاور مع قادة فصائل المقاومة وعدد من المؤسسات والشخصيات الوطنية داخل وخارج فلسطين، وجاء في توقيت حرج تمر به القضية الوطنية بعد أن انحرفت في منزلقات خطرة من جراء تورط فريق من الفلسطينيين في مشروع التسوية، كما أن المؤتمر يأتي بعد عدة أشهر من معركة سيف القدس التي فرضت استحقاقات كبيرة منها إطلاق هذا المؤتمر، لإيمان المقاومة وجماهير شعبنا بأن تحرير فلسطين أقرب من أي وقت مضى.

هذا بالإضافة إلى أن الحديث عن وعد الآخرة وقرب تحرير فلسطين نابع من قراءة معمقة واستدلال صحيح مستمد من فهمنا الديني والعقائدي لحقيقة الصراع مع الاحتلال، وإيماننا السياسي المطلق بأن الاحتلال الإسرائيلي يعيش في أزمات متلاحقة؛ نتيجة ارتفاع مستوى التهديد في محيطه بعد بروز حركات مقاومة وجبهات عريضة باتت تحيط به وتستعد لمهاجمته في أي معركة أو جولة شاملة من القتال.

وذلك بعد انحسار مشروعه وعدم قدرته على تنفيذ مخططه بالسيطرة على المنطقة وتقوقعه خلف القلاع والحصون والجدار العازل بعد أن كان يحلم بإقامة مملكة أو امبراطورية كبيرة مترامية الأطراف والحدود، وقد كانت إحدى صور هذا التراجع انسحابه بل هروبه من القطاع تحت ضربات المقاومة.

وبالتالي فإن عقد المؤتمر حقَّق كثيرًا من المكاسب السياسية والوطنية وكان أبرزها: أن المقاومة أثبتت أنها ترغب في تحقيق الهدف المركزي؛ (تحرير فلسطين) ولا تسعى لأي تسوية سياسية مع الاحتلال، كما أنها رسمت معالم وخارطة الطريق للدولة والتي لن تكون في غزة أو في الضفة إنما على كامل التراب الفلسطيني، وأعادت تصويب البوصلة والمسار نحو دحر الاحتلال نهائيًّا عن أرضنا، وأحيت مجددًا الأمل المفقود في ذاكرة وذهن الجيل؛ بعد أن رُسخت مفاهيم ومعتقدات خاطئة بأننا سنبقى أبد الدهر نعيش تحت ظلال الاحتلال.

كما أسقط المؤتمر كل الحسابات الفئوية الخاصة التي سعى البعض لتكريسها على حساب شعبنا وتطلعاته وآماله، والتي لم تكن تكافئ تضحياته الكبيرة والمتعاظمة التي قُدمت وتقدّم أملًا في طرد الاحتلال وتحرير فلسطين، وأرسى قواعد خاصة لا يمكن تخطيها لكل من يرى في نفسه القدرة والأهلية لقيادة الشعب الفلسطيني وتمثيله أمام العالم، وهو بمثابة قطع للطريق على كل الذين سعوا ويسعون لوقف تمدد المقاومة ومنع تعاظم قوتها وحصر مشروعها في بقعة جغرافية بعينها.

أما الرسائل: فكانت متزاحمة لمن يتأمل جيدا في فحوى ودلالات هذا المؤتمر، فالمقاومة طيّرت من خلاله حزمًا من الرسائل الساخنة والعاجلة لكلا من الاحتلال، وللمحيط العربي والإسلامي، وللأطراف الدولية المعنية بالقضية الفلسطينية، فهي تقول للاحتلال إننا نعد العدة لتحرير فلسطين والمعركة الفاصلة تقترب أكثر من أي وقت مضى وأن الفلسطينيين لن يكونوا وحدهم في هذه المعركة التي سيقاتل فيها كل الجبهات وسيصطف فيها كل الأحرار ولن تكون حينها دولة الاحتلال قادرة على حسم المعركة أو البقاء على أرض فلسطين، وأن مشروع الاحتلال إلى زوال وأن مبادراته لاحتواء المقاومة ستبوء بالفشل، وأن مشاريعه السياسية ستنهار.

وللعرب أن مشاريع السلام مع الاحتلال ومسار التطبيع الحالي لن يوقف من حالة التعبئة والتحشيد ضد الاحتلال ولن يحرف البوصلة عن الصراع الحقيقي تجاه (العدو الأوحد) للأمة وأن كل الأنظمة التي ارتمت في حضن العدو ستجد نفسها في موقف صعب حين يهزم هذا الكيان وينهار أمام حلفائه ومتعاونيه في المنطقة على يد المقاومين الشرفاء من الفلسطينيين والعرب والمسلمين الذين سيتجندون للدفاع عن أقدس قضية عرفها التاريخ.

وللعالم أنه يجب ألّا يعول كثيرا على بقاء الاحتلال على هذه الأرض وأنه عليه أن يستعد لحدوث تغير إستراتيجي يؤدي لإقامة دولة فلسطينية على كل التراب الفلسطيني بعد حدوث معركة فاصلة ربما تهز أرجاء المنطقة وتؤدي لسقوط أنظمة رهنت نفسها ومصيرها بالاحتلال، لذلك عليهم دعم حقوق الشعب الفلسطيني والاصطفاف إلى جانبه في مظلوميته وحقه التاريخي.

وختامًا: فإن على هيئة المؤتمر أن تسعى فورًا للبناء على هذه الخطوة، وأن تجري حوارًا معمّقا مع كل المكونات الوطنية داخل وخارج فلسطين لضمان تحقيق الأهداف والغايات التي انطلق من أجلها، على أن تراعي أن يكون ضمن هيئتها القيادية ممثلين من كافة الجغرافية الفلسطينية، وأن يسعوا لاستثمار كل المقدرات التي يمتلكها شعبنا لهذا الغرض، وأن يستمروا في حشد الدعم والتأييد لهذه المعركة، وأن لا يلتفتوا لاي انتقادات تحاول النيل من الخطوات الرامية لتحقيق وعد الآخرة.