صنعها بنفسه ويحلم بالمشاركة في سباقات "الرالي" العالمية

محمد الضبة.. "ينسى العالم" على مقعد "البقي" الرياضية

...
غزة/ يحيى اليعقوبي:

على رمال شاطئ بحر غزة تتحرك مركبته الرياضية منغرسة في الرمال تتسارع عجلاتها فتثيرها خلفها، يمارسُ هوايةً نبتت بداخله ويحلم بأن يقود عربة سباق رياضية يصممها ويصنعها بيديه.

كبر حلم محمد سيف الدين الضبة، وهو يرى مستمتعًا مركبات بشتى الأنواع تشارك في سباق "رالي دكار" في منطقة قريبة من سكنه في موريتانيا حيث قضى طفولته، لكن عينه وقعت في حب عربة السباق "البقي".

كبر هناك وتعلم قيادة تلك العربة، وعندما عاد إلى غزة في نهاية التسعينيات ظل متشبثًا بهوايته رغم اختلاف البيئة الجغرافية في القطاع مقارنة برمال الصحراء الموريتانية، كما أن "السفر لأبعد دولة في العالم أسهل من شراء سيارات السباق وإدخالها إلى غزة، فقررت صناعتها"، يقول الضبة.

من داخل منزله في مدينة غزة أتم محمد المهتم بالرياضة الميكانيكية آخر تعديلات على السيارة التي صممها قبل سنوات لتصبح خفيفة الوزن بما يسهل حركتها وتسارع عجلاتها.

يبدأ هيكل سيارة "البقي" المكشوفة بصدام شبه مضلع أسود اللون تعلوه أربعة مصابيح على الجانبين، في حين تتصل العجلات الأربع التي تتحرك منفردة بضواغط زنبركية لتمكن المركبة من تحمل ضغط الهبوط والصعود. أما جسم المركبة فكساه الضبة من جميع الاتجاهات بشباك حديدي ليمنحها الخفة والشكل الرياضي بعدما كان يغطيها سابقًا بألواح حديدة أثقلت وزنها.

في قمرة القيادة يوجد مقعدان، وزر التشغيل، ولوحة إلكترونية لقراءة السرعة ودرجة الحرارة، ومستوى المياه، وذراع تحكم بالسرعة، وفي الخلف وضع ماتور المركبة وحاسوبه، وخزان الوقود.

معرض وطني

"هناك من يعتقدون أني اخترعت شيئًا جديدًا، لكني للتوضيح هذه السيارة موجودة في كل أنحاء العالم، ولكن في غزة يستحيل أن تشتريها حتى لو معك مال، فهي ممنوعة من الدخول"، يضيف الضبة بعد أن شرح تكوين مركبته.

محمد الذي يرتدي ملابس توحي بأنه رياضي يبلغ من العمر أربعين عامًا، لكنك حينما تراه تعطيه أقل من ذلك بعدة سنوات، تعلو محياه ابتسامة تعكس إعجابه بالمسار الطويل الذي مضى فيه ليصل بالمركبة إلى ما هي عليه اليوم.

يقول: "صممتها وكان من ضمن الأسباب الأساسية لذلك، عرضها في معرض الصناعات الوطنية، حيث أنتجت سيارة بنفس المواصفات العالمية، وعندم لم يتحقق ذلك صرت أستعملها للهواية".

يشير الضبة إلى مكان صناعة السيارة حيت تتراص قطع غيار فوق أحد الرفوف، في حين بدت بقع الطلاء الأسود المنثورة على أرضية الكراج حديثة.

وعن ارتباطه بهذا النوع من السيارات الرياضية، يعود الضبة إلى أيام نشأته في "موريتانيا" حيث ولد هناك، "ولأنها بلد صحراوي كنت أرى لسنوات طويلة سباقات رالي (باريس دكار)، كان الشيء الوحيد الذي نخرج لمشاهدته، وهناك كنت أرى جميع أنواع السيارات الرياضية".

حب سيارات السباق جعل الضبة يصطحب حلمه إلى قلب غزة، فوضع أمام ناظريه نموذجًا مصغرًا لسيارة "البقي"، ثم بدأت أفكاره وأنامله تصنع الهيكل من "الصفر"، مستدركًا: "في ناس لما بتشوف السيارة بتفكر إني جبتها وعدلت عليها، لكني ما جبت أي سيارة".

يمرر يديه على هيكل السيارة، متممًا حديثه: "الحمد لله 90% من السيارة صناعة يدوية، ما عدا اللي استوردتها من الخارج بمواصفات سيارات السباق، وأيضا المحرك، أما بخصوص السرعة فتبلغ 220 كم/ الساعة".

لكن غزة ليست كموريتانيا الصحراوية، وهو ما يدركه محمد: "فهنا أقودها على رمال الشاطئ وفي سوافي المحررات، تغمرني سعادة كبيرة وأنا أقودها وتجعلني أعيش لحظات أفتقدها".

تسلك ضحكة طريقها إلى صوته وهو يتحدث عن قوة "البقي" خاصته، "حتى الآن ما استعملت الغيار الرابع والخامس".

ويبدي الضبة رضاه عن تحقيق حلم الطفولة، "شعور فخر أني عملتها بدون ما حدا يعدل علي، السيارة هي الوحيدة بغزة من هذا النوع"، مشيرًا إلى أن البعض يسأل أو يعتقد أن السيارة عبارة عن حديد ملحم.

وهنا يتساءل: "هل يستطيع من يقول ذلك أن يجعل الحديد يمشي 220 كم بالساعة".

عن إمكانية مشاركته "برالي" دولي، انتزع السؤال تنهيدة فيها مسيرة سنوات طويلة من الانتظار والحلم: "يا ريت!"، قالها بعدما فرد ذراعيه للخارج وقد احمر وجهه وعلت نبرة صوته: "أتمنى ذلك، لطالما تدربت على قيادة السيارات الرياضية، لكن المشاركة بالرالي تحتاج إلى رسوم ونقل السيارة".

يطرق يده على سيارته معترفًا: "هذه ليست بمواصفات سيارات الرالي، لكن لو حظيت بتبنٍ رسمي فيمكننا فعل ذلك، خاصة أن "رالي دكار" سيستمر في قارة آسيا لمدة عشرين عامًا بعدما كان في أمريكا الجنوبية في العشرين الأخيرة".

ويتمنى محمد أن يكون هناك نادٍ رياضي يجمع سيارات السباق والهواة، يخصص لهم مكانًا يستمتعون فيه بعيدًا عن الناس، وإلى أن يتحقق ذلك يسافر مرة كل عام لأهله في موريتانيا لقيادة المركبات فوق رمال الصحراء.