4 سنوات جمعت الشريكين

تقرير القمع متواصل.. "خضر عدنان" أيقونة الإضرابات يُكبَّل بأيدٍ فلسطينية

...
خضر عدنان القيادي في حركة الجهاد الإسلامي (أرشيف)
جنين-غزة/ نور الدين صالح:

"لم نعتد إلا أن نكون أحرارًا.. إن لم يكن فوق الأرض فباطن الأرض أولى بنا"، تلك كلمات لا تخرج سوى من رجل لا يعرف السكوت عن الظلم ويأبى الارتهان لمشاريع قهر ممنهجة يتناوب عليها الاحتلال الإسرائيلي وأمن السلطة، والهدف "إخماد صوت الحق".

سيرة عطرة مليئة بالجهاد وحب الوطن والرفض لكل مشاريع الخضوع والخنوع سطَّرها الشيخ خضر عدنان الذي أمضى من عمره 43 عامًا، وفي كل عام تتجذر حياته أكثر في وطنه، الذي بات مقدَّسًا حتى لدى أفراد عائلته.

على مدار أكثر من عشرين عامًا، يأبى الشيخ خضر عدنان -المعروف بين الناس بهذا الاسم وتعود أصوله لعائلة موسى التي تنحدر إلى بلدة عرابة غرب مدينة جنين-، أن يغض بصره عن جرائم الاحتلال والسلطة معًا، بحق أبناء شعبه، ما قضَّ مضاجع الطرفين، فباتا يُطبقان عليه سياسة "الباب الدوار".

خاض "عدنان" الذي يعيل أسرة من 9 أبناء صولات وجولات في مسلسل الاعتقالات لدى الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 13 مرّة، جلها في الاعتقال الإداري ليصل مجموعها إلى ما يزيد على ثماني سنوات متفرقة داخل قضبان زنازين الظلم الإسرائيلية، حسبما تروي زوجته رندة موسى.

عُرف عنه عزيمته في مواجهة عنجهية الاحتلال وهو خلف قضبان الأسر، بأمعائه الخاوية ليُسطر ملحمة بطولية في عدد الأيام التي خاض فيها إضرابًا مفتوحًا عن الطعام خلال الثماني سنوات والتي بلغ مجموعها 224 يومًا.

"مَن قال لكم أن تحضروه إلى هنا"، هذه الكلمات جزءٌ من حوار دار بين الشيخ خضر، وقاضية إسرائيلية في إحدى المحاكمات الأخيرة له، استعرضته زوجته لصحيفة "فلسطين"، ثم تقول والفخر ينتابها: "الاحتلال أصبح يحسب ألف حساب لاعتقال الشيخ خضر".

ظُلم السلطة

فهل انتهى مسلسل الظلم الذي يتعرض له الشيخ خضر الذي يعمل "خبازًا" في أحد مخابز بلدة قباطية القريبة من عرّاب؟ هنا تتجلى إجابة زوجته التي يجثم على قلبها القهر، حينما تقول: "السلطة اعتقلت زوجي عشرات المرات، وهذا ما يزيد حرقتنا فهم أبناء جلدتنا".

ثم تواصل حديثها: "الأساليب التي تستخدمها السلطة بحق زوجي وغيره من النشطاء أيضًا "مُعيبة"، حتى بتنا نخشى تكرار سيناريو ما حدث الناشط السياسي نزار بنات".

أخذت زوجته تقصُّ تفاصيل اعتقاله لدى أجهزة أمن السلطة أول من أمس، حينما كان يعتزم في المسيرة التي كان مقررًا تنظيمها في دوار المنارة وسط مدينة رام الله، رفضًا للمماطلة بالكشف عن قتلة الشهيد نزار بنات، إلى جانب عشرات النشطاء والمواطنين.

"بلا رحمة ولا اعتبار لتاريخ الشرفاء" انهالت أجهزة أمن السلطة -بعضهم يرتدي لباسًا مدنيًّا- بحملة اعتقالات مسعورة ضد النشطاء السياسيين المشاركين. لم يرُق هذا المشهد للشيخ "خضر" الذي بات يهتف في وجه أمن السلطة، بل ذهب إلى مقر الاستخبارات برام الله، حيث يقبع النشطاء المعتقلون.

لم يهنأ لأجهزة السلطة هتافات الشيخ خضر، فراح أفراد من جهاز الاستخبارات نحوه، وحملوه في "الجيب العسكري" واقتادوه إلى منطقة مجهولة، في مشهد لا يختلف عن الوسائل التي يستخدمها الاحتلال عند اعتقاله.

القلق يفرض نفسه على ملامح الزوجة المكلومة، والدقائق تمر أثقل من الجبال، فتقول "موسى" بعد اعتقال زوجها: "لا أؤمن على زوجي أن يبقى معتقلًا لدى السلطة يوم واحد.. فكل معتقل سياسي في سجونها هو مشروع نزار بنات ثانٍ".

تقول والحسرة تملأ قلبها: "إذا لم تتوقف هذه المهزلة والاعتقالات والاعتداء على الحريات والقامات الوطنية، فنحن أمام كارثة وطنية.. هؤلاء القادة يجب أن نضعهم على رؤوسنا لما قدموه للوطن".

ومنذ اللحظات الأولى لاعتقال الشيخ خضر، ظلّت الزوجة "أم عبد الرحمن" معتصمة أمام مقر استخبارات السلطة برام الله، رغم محاولة أجهزة السلطة الاعتداء عليها ومنعها من ذلك.

وتواصل "أم عبد الرحمن" اعتصامها منذ اعتقال الشيخ خضر، وباتت ليلتها في العراء أمام مقر الاستخبارات برفقة طفلتها الرضيع التي لم يتجاوز عمرها الثلاثة شهور.

اجتمعا 4 سنوات

تطوي زوجته صفحة صمود في وجه السلطة والاحتلال، وتفتح صفحة أخرى تحدثنا فيها عن حياة زوجها الذي ارتبط بها قبل 16 عامًا، وعاشا تحت كنف بيت صغير متواضع، وأنجبا تسعة من الأطفال.

تروي الزوجة "أم عبد الرحمن"، قسوة حياتهم في ظل تنغيص الاعتقالات المتكررة: "منذ 16 عامًا من الزوجة لم نجلس مع بعضنا وأطفالنا سوى 4 سنوات متفرقة".

تنهَّدت قليلًا وأخذت نفسًا عميقًا: "حياة مشتتة غير مستقرة، لكنّي لم أندم على ارتباطي بهذا الرجل، وأنا فخورة جدًّا بأن ارتبط اسمي به، فقد بات يهتز له الاحتلال ويخشاه ويرفض اعتقاله".

لم يكن الأمر سهلًا على الأطفال الذين ينامون في بعض الأيام بين أحضان والدهم، ثم يستيقظون وهو معتقل في سجون الاحتلال، لكنها تقول وعلامات الفخر تخيّم عليها: "رغم هذه الحياة فإنها لم تخلُ من العزة والأنفة وحب الأطفال لوالدهم بشكل يفوق الوصف".

وتُكمل حديثها: "حتى في سنوات الاعتقال، كان الاحتلال يحرمني وأطفالي من زيارة زوجي، ويُسمح لنا فقط عند نقله للمستشفى بعد تردي وضعه الصحي نتيجة إضرابه عن الطعام".

وتختم حديثها: "ربينا أولادنا على حب الوطن، فالاحتلال دائمًا يحاول إخراجنا من بلادنا، فنحن خلقنا لحمل هم الوطن والشهداء والأسرى".

هكذا هي "سير الأبطال ليست ملكًا لذويهم.. بل هي لفلسطين تعلمها للأحرار الشرفاء، تلقنها للأشبال يرون من خلالها العزة والكرامة أمثلة مضيئة تحيا بشموخ لا يعرف الاستسلام".