عودة لاستنزاف العدو

المماطلة والتسويف من الاحتلال الإسرائيلي في تنفيذ مطالب واشتراطات المقاومة تتطلب العودة (لاستنزاف العدو) مجددا وعدم إعطائه أي فرصة للراحة، والعمل الفوري على كسر أجواء الهدوء، وجعل كلفة الوقت مرهقة وباهظة عليه؛ حتى يدرك أن محاولات التلاعب وكسب مزيد من الوقت هي لعبة خطرة سترتد على أمنه ومصالحه وتؤثر سلبيًّا في استقراره السياسي.

فمضت عدة أشهر على معركة سيف القدس دون الدخول الفعلي في ملف الإعمار نتيجة التعنت من العدو، والاستمرار في تعطيل المنحة القطرية، ومنع دخول المواد والمعدات والبضائع الضرورية، والتلويح المستمر بإمكانية تشديد الحصار مجددا وممارسة ضغوط إضافية لابتزاز المقاومة وإشغالها بالوضع الإنساني، يفرض أجندة عمل مختلفة ويفتح المجال أمام خيارات وخطوات مهمة وضرورية للرد بالمثل على هذا العدوان الممنهج.

فالاحتلال لن يرضخ نتيجة الاتصالات التي يجريها الوسيط العربي والأممي، ولا حتى نتيجة الفعاليات والبيانات المنددة، لأنه يشعر أن المعركة انتهت، وأن وسائل الضغط أصبحت غير مؤثرة، وليست فاعلة بالقدر الذي يفرض على الاحتلال الرضوخ والتزام تعهداته أمام الوسطاء، وعليه يصعّد من جرائمه ويفاقم من الوضع الإنساني في غزة، ولا يتوقف عن استهداف الفلسطينيين على امتداد الجغرافيا الفلسطينية.

فالوقت لا يعطينا مساحات إضافية لاستخدام أدوات متواضعة في مواجهة عدوان شامل، ولو كانت هذه الأدوات الشعبية قادرة على إحداث التغيير المطلوب لتغير الحال وانتهت معاناة الفلسطينيين، لذلك، ما الذي يمنع من عودة وسائل مباشرة وقوية تجعل حكومة الاحتلال تركع على قدميها أمام رسائل مختلفة وفعل حقيقي من المقاومة.

وصدقوني أن هذا العدو لا يزعجه كثيرا (البالونات)، أو وسائل الإرباك المتواضعة على الرغم من أهميتها في مراحل معينة، حيث كانت أدوات فاعلة في وقت سابق، ولا نريد أن نوهم أنفسنا بما يقدمه الإعلام العبري من دراما مخيفة للبالونات، ولا يعني اتصال الوسطاء حين تُفعَّل البالونات بأن هذه الأدوات أصبحت أدوات استراتيجية وعلينا التوحد معها وعدم تفعيل أي أدوات غيرها.

وحتى لا يُفهم الأمر خطأً، فإن أي جهد في الميدان هو جهد مقدر، لكننا نحتاج الآن ونحن في وقت حرج لوسائل أكثر قدرة على التأثير؛ وسائل تدفع العدو إلى التحرك والاستجابة الفعلية في وقت قصير، ولا نريد الاستمرار في فعاليات تستمر أسابيع وأشهرًا، خصوصا أننا خرجنا من معركة كبيرة حققنا فيها نجاحات غير مسبوقة في البعد العسكري، لكن على المستوى السياسي ما زالت جهودنا تواجه تحديات متعاظمة.

فالجمهور الفلسطيني يريد أن يلمس تحسنًا وتغييرًا في كل الملفات، ويريد أن يرى الاحتلال مردوعًا بعد كل هذه الصواريخ التي أطلقت من المقاومة، والتي غطت كل الجغرافيا الفلسطينية، فلا تدعوا اليأس والإحباط يتسللان للناس، ولا تسمحوا للهدف الإسرائيلي بالتحقق، فالعدو يريد للناس أن تكفر بالمقاومة، وأن تنفض من حولها، وهو يقول بلسان حاله إن هذه المقاومة عاجزة عن تحقيق أي من أهدافها، فلا تراهنوا عليها بعد الآن.

لذلك فإنه بات من اللزوم أن يتعرض العدو لنوع آخر من الاستنزاف الذي ينقل المشهد دومًا لحافة التصعيد ولا يفرض علينا الدخول في جولة كبيرة من القتال، فالخيارات كثيرة ومتاحة والتحرك الآن له مكاسب كبيرة أمام حكومة صهيونية مراهقة وضعيفة وعديمة الخبرة لا تحتمل أدنى درجة من الضغط في ظل تكوينها الحزبي غير المتجانس، والذي يمكن أن ينهار تحت أي تحول على أي من الجبهات.

فهذا العدو الذي فضّل احتواء الموقف على الجبهة الشمالية بعد تعرضه لـ19 صاروخا من قبل المقاومة الإسلامية في لبنان يدرك أن المقاومة جادة وقادرة على فرض قواعد الاشتباك مجددا ولا تقبل بتجاوز الخطوط الحمراء، وأن تبعات الرد عليها ستُعرّض الكيان لاستهداف صاروخي غير مسبوق، بعد أن كان يستعرض بمسيراته في سماء لبنان، ومارس دور البطولة مؤخرا وهو يستهدف بالطائرات الأهداف اللبنانية.

وختاما؛ فإن نيران قناص فلسطيني باتجاه وحدات الهندسة في غلاف القطاع، أو حتى إطلاق قذائف في مناطق فارغة في محيط المواقع، أو خروج صواريخ بفعل الحرارة الشديدة، أو سحب قوات الضبط الميداني وتراجعها لنقاط خلفية له دلالات وقيمة كبيرة أعظم من الرسائل التي يحملها أو ينقلها الوسطاء، فدلالة الطلقة والصاروخ أعظم وقعا في عقول وقلوب الصهاينة، ولا تلتفتوا لردود الفعل أو الثمن، فنحن شعب نعيش تحت احتلال إجرامي لا يتوقف عن العدوان سواء كان هناك فعل مسلح أو لم يكن، لذلك فالحل العودة مجددا لاستنزاف العدو.