زوجة المنتصر التي بكت من القلب

تقرير في مراسم فرَضَها المحتل.. "سناء شلبي" ودَّعت منزل الأحلام بـ "وجع القهر"

...
صورة أرشيفية
غزة/ يحيى اليعقوبي:

تنظرُ إلى سحابةِ دخانٍ افترشت المكان وصعدت إلى الأعلى، تبعتها أصوات انفجارات سبقها وميض، وكأنها تجاوزت قلبها الذي تهاوى كمدينة ضربها زلزال وهي ترى المنزل الذي اتسع لأحلامها و"شقا العمر"، وتركت فيه ذكريات زفَّت فيه بناتها لأزواجهن، ودقت فيه طبول فرحة النجاح بالثانوية العامة، يهدم ويُفجّر.

اليوم تنكسُ راية الحزن وتشيعُ ذكرياتها، لكنها حرمت دموعها التي حاصرت حواف عينها من السقوط، ومع ذلك فرضت الصدمة نفسها على ملامح وجهها بعد أن أذنت لشفتيها بالتحرك رافضةً الاستسلام تشير إلى المنزل بعد انقشاع الدخان "هذه سياسة احتلال يريدون قهرنا، لكنهم لن ينالوا من عزيمتنا، وهذه حجارة كلها أسمنت.. هذا حال الشعب الفلسطيني، نعيش بظلمٍ ولا يوجد شخص وقف معنا".

حجارة المنزل تهاوت وأصبحت كومة من الركام، المنزل المكون من طابقين كـ"الفيلا" ذو الواجهة الحجرية البيضاء تعلوه القباب الحمراء، ويكسو شرفتيه زجاجٌ أزرق يعكس جمال لون السماء، ساحته الأمامية وأرجوحة الأطفال، غرفه الواسعة وصالته التي علت فيها أصوات الفرح والزغاريد، لم يبقَ منها إلا الذكريات، وصورة منتصر شلبي (أسير ٌيتهمه الاحتلال بتنفيذ عملية إطلاق نار) معلقة على سور المنزل الذي تساوى بالأرض.

تقفُ على بقايا منزلها المدمر، يتجسد الحنين إلى ذكريات الماضي الجميل "وأيام زمان"، فكل ركن فيه يمثل نبضة حياة لها ولأولادها الذين ظللهم تحت سقفه، وأوى أحلامهم، امتزجت ملامحها وهي تقترب من أنقاضه بالحزن، وهي تمر على سهرات العائلة فوق شرفته التي كانت تكشفُ أشجار قرية "ترمسعيا" قضاء رام الله وزهورها وجمالها، تطل من شرفةِ الحنين على حكايا كثيرة قصها إليها زوجها الأسير منتصر شلبي.

في قسمات وجهها تحمل وجع التهجير وآلام النكبة، فيها صبر وصمود وتحدٍّ، تحترقُ من الداخل لكنها تأبى أن يرى عدوها دموعها تنزلُ، لا تريد إعطائه فرصة الشعور بالانتصار، وهذا ما دوت به صرختها: "حنضل صابرين صامدين".

منظر موجع

تنصتُ "فلسطين" لأم إياد "سناء شلبي" التي لم تقِلّ بطولة وصمودًا عن زوجها منتصر بعد قيام الاحتلال بهدم منزلها: "المنظرُ يوجع القلب وهم يريدون قهرنا، وهدم ذكرياتي وذكريات أبنائي، فكل حياتنا كانت في هذا البيت، ربيتهم فيه وتزوجت بناتي وخرجوا منه، حفلاتهم في النجاح بالثانوية العامة".

مع كل ما أصابها ترفضُ الاستسلام للألم: "احنا صامدين صابرين، لن ينالوا من عزيمتنا مهما سجنوا وعملوا، وهادا بزيدنا قوة وعزة، وراح نبني بداله، وقلت لأولادي اللي زعلوا كتير من اللي صار: طالما أنتم بخير وأبوكم بخير فالبيت فداء الوطن وأبوكم، وهذا الاحتلال إلى زوال".

تحسبًا للهدم، قدمت سناء شلبي استئنافًا لدى "المحكمة العليا" التابعة للاحتلال لمنع القرار باعتبارهم رعايا يحملون الجنسية الأمريكية، التي قد تمنع ارتكاب جريمة عقاب جماعي بحق زوجة منتصر وأولاده، تسمع حرقة قلبها: "ما كنا عارفين وين بدنا نروح"، لكن دون أي تحرك من السفارة الأمريكية.

أبلغها المحامي في 30 يونيو/ حزيران الماضي، أن تستعد للحظة الهدم، لأن "يد المحتل ستصل وتهدم المنزل في أي لحظة" كما أخبرها، تطفو بقايا تلك اللحظات على حديثها، كان صوتها هنا يشبه البكاء "على مدار أيام عديدة أخرجت الأغراض، وذهبت إلى بيت عائلتي، وكنا ننتظر بأي لحظة قدوم الاحتلال لهدم المنزل لأنهم لم يعطونا موعدًا محددًا".

كم هو صعب على الإنسان رؤية هدم منزله أمامه! كان سؤالي كفيلا بإطلاق تنهيدة، لكن صوت القهر فيها يختصر مراحل طويلة من الارتباط بينها وبين هذا المكان الذي فضلته على العيش في أمريكا: "مهما صبر الإنسان وتماسك، لكن يبقى للبيت مكانة في القلب، فوضعنا كل شقاء عمرنا فيه، مشهد يوجع القلب وأنت ترى منزلك يدمر أمامك".

"على مدار شهرين كنا بحالة من القلق والخوف، ننتظر ماذا سيجري وماذا سيحل بنا، وأين سنذهب؟ حتى صدر قرار الهدم ورفضوا الاستئناف، والآن نعيش عند أهلي، وسيعطونني قطعة أرض ويبنوا لنا بيتا".. وجع قلبها يتحول لكلمات انهمرت من صوتها.

رأت أم إياد جنود الاحتلال يحاصرون المنطقة ويغلقون كل الشوارع المؤدية إليه، وفجروه في المرة الأولى لكن لم يتفتت، فهم يريدون محوه ومحو كل ذكرياتهم فيه، وعلى مدار عشر ساعات أخرى وضعوا كل حقدهم وحشوه بكمية كبيرة من المتفجرات وفجروا بقية المنزل.

"أوجه رسالتي للعالم ولكل أولاد شعبي المرابط بأن يبقوا ثابتين، وأن نكون يدا واحدة حتى نهزم الاحتلال، أما لزوجي منتصر فأقول له: الله معكم، وسيكون هناك صفقة قريبة ويخرجوك من السجون وسنبقى معكم بالفرج القريب".

تحويشة العمر

تفتحُ سناء شلبي روزنامة الأيام، تقفُ على نوافذ الذاكرة، تكنس غبار النسيان عن قصة ارتباطها بالمنزل وقبله بمنتصر شريك حياتها وقلبها: "تزوجت منتصر عام 1996م، وسافرنا إلى الولايات المتحدة، وبقيت عشر سنوات هناك وعدنا في 2006م، وعشنا في بيت العائلة ووضعنا كل أملاكنا وتعبنا في البيت، حتى جهزناه على مدار عامين".

لا يزال أول يوم عالقًا في ذاكرتها: "أمضى منتصر شهرًا ثم سافر لإكمال عمله في أمريكا، وكان يأتي في العام مرتين يمكثُ أسبوعين أو شهرًا حسب قدرته، لكني فضلت البقاء في المنزل لتربية أبنائي".

لم يكن منتصر مقيما دائمًا في المنزل، فعلى شدة حبه له وتعلقه به وبأبنائه، إلا أنه كان يسافرُ لأمريكا، أما زوجته سناء فقررت الاستقرار في البيت والبقاء فيه لتربية أولادها والسهر على تربيتهم، حتى كبر أبناؤها الأربعة (بنتان وذكران) وسافروا للاستقرار في أمريكا بعدما زوجت بنتيها، في حين بقيت هي وأبناؤها الصغار سارة وأحمد ومحمد في المنزل.

طريق الحياة الكريمة لم يكن مفروشًا بالورد أمام منتصر، ولم يعطه العمل بأمريكا مالاً بسخاء في البداية، فقد تطورت حياته تدريجيًا، تتأمل رحلة زوجها في العمل: "في البداية كان تاجرًا بسيطًا يجول على البيوت ليبيع البضائع من أثاث وأغطية، وكان يبيع الزبائن في أمريكا بالدين وفي نهاية كل أسبوع يأخذ ثمن البضائع، لأنهم لم يستطيعوا دفع كامل المبلغ، ثم قوي عمله واشترى محلا تجاريًا لبيع بضائع ومنتجات مختلفة، وأصبح حالنا أفضل ولدينا مالٌ ثم عدنا وبدأنا ببناء المنزل".

بعد غياب دام عامًا كاملا عن القرية بسبب فيروس "كورونا" عاد منتصر إلى بيته، لكن تزامنت عودته مع أحداثٍ كثيرة وجرائم إسرائيلية عديدة، كانت تشعل نيران الثورة بداخله، لم يبق ذلك حبسيا لصراعه الداخلي، تنقل زوجته: "عندما وصل كان قل حلَّ شهر رمضان، وكان يرى ما يحدث بحي الشيخ جراح، وأننا نُمنع الذهاب للصلاة بالمسجد الأقصى، لم يكن يقول لي ماذا سيفعل، لكني شعرت بتوتره، وتفكيره العميق".

بقسمات وجهٍ غاضبٍ تتجمع شرارته وتنتفض الثورة داخل أحداقه، يعرب عن عدم رضاه بما يجري في جلسة سمر بينهما على شرفة المنزل التي تطل على جمال "ترمسعيا" تغير معه مجرى حديثه لها: "أنا مش مبسوط على اللي بصير، بدنا حدا يساعدنا عشان نتحرر".

"كنا ننظر من شرفة المنزل ونحتسي القهوة، شعرت أنه موجوع من الاحتلال وانتهاكاته، فتدخلت تحسبًا لأي شيء قد يفكر فيه: يا منتصر الدنيا مطولة، وإلك أولاد، والله أعلم امتا يروح الاحتلال، فصمت ولم يخبرني ماذا سيفعل لكنه كان يلمح بمقاومة الاحتلال والجهاد".

يسكن منتصر وعائلته في قرية "ترمسعيا" قضاء رام الله، يجاور منازل الأثرياء، ولا يقلُ منزله جمالاً وثراءً عن جيرانه، رجلُ أعمال تربطه أعمال تجارية في أمريكا، لكنه قرر الاستجابة لنداء قلبه وإطفاء ثورة اشتعلت بداخله، والانتصار للشيخ جراح، وضحى بنفسه وأصبح أسيرًا خلف قضبان الاحتلال، وفقد المنزل الذي بناه بـ "تحويشة عمره" ووضع كل ما لديه لـ"أجل فلسطين".