غسان كنفاني قصة لاجئ فلسطيني في ذاكرة وطن

نحن نقاتل من أجل تحرير فلسطين، من أجل أن نحصل على الكرامة وحقوقنا الإنسانية وهذه هي مقومات الحياة، هكذا أجاب الراحل الفلسطيني غسان كنفاني على سؤال الصحفي الأسترالي ريتشارد كارلتون، جواب يتحدث بلسان كل فلسطيني مؤمن بقضيته وسيبقى كذلك حتى تحرير فلسطين.

في مدينة عكا على ساحل فلسطين وفي التاسع من إبريل/نيسان عام 1936 وُلد غسان كنفاني الأديب الفلسطيني، وعاش طفولته في مدينة حيفا حتى غادرها مضطرًا مع أسرته عام 1948 بسبب النكبة ولجأت إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان قبل أن يغادروها إلى دمشق التي بدأ يدرس في جامعتها الأدب العربي، وكان له فيها دور تنظيمي بارز، خصوصًا فيما يتعلق بالنشاطات الفلسطينية، وفي تلك المرحلة انضم إلى حركة القوميين العرب.

انتقل كنفاني إلى الكويت وهناك صُقِلَت شخصيته الأدبية بشكل مذهل، وفيها عمل محررًا في إحدى الصحف فبدأ في نشر قصصه المكتوبة، ومما يذكر أيضًا عن تلك المرحلة هي إصابته المبكرة بمرض السكري.

مما يستحق الذكر هنا ما شكلته الكويت في تلك الحقبة الزمنية من دور أساسي في تكوين واحتضان المقاومة الفلسطينية بمختلف تياراتها الفكرية، وكان الشهيد كنفاني أحد هؤلاء الرجال المؤثرين في ذلك التاريخ، وما زالت الكويت حتى يومنا هذا تقدم لنا دروسًا في الانتماء لقضايا العرب عمومًا وفلسطين خصوصًا.

انتقل الشاب العشريني غسان كنفاني من الكويت إلى لبنان واستمر في ممارسة عمله الصحفي واختلط بالعديد من التيارات الفكرية التي شكلت منعطفًا مهمًّا في مسيرته وتنقل بين عدة صحف ترك فيها أثرًا أدبيًّا كبيرًا ورصيدًا راسخًا من الإبداع خصوصًا عن تاريخ فلسطين، وهنالك أيضًا تزوَّج آنى هوفمن المدرسة الدنماركية التي جاءت إلى المنطقة العربية من أجل العمل في مساعدة اللاجئين الفلسطينيين ثم تحولت إلى مناضلة فلسطينية، وقد أنجبا فايز وليلى، وقد كان فايز في العاشرة من عمره عندما استشهد والده.

شكلت القضية الفلسطينية الأساس الفكري للشهيد غسان كنفاني، وتجسد ذلك في كتبه ورواياته التي صدر أغلبها في ستينيات القرن الماضي وأبرزها "عائد إلى حيفا"، و"رجال في الشمس"، و"ما تبقى لكم"، و"عن الرجال والبنادق"، و"أرض البرتقال الحزين"، و"من قتل ليلى الحايك"، و"موت سرير رقم 12".

وكذلك صدرت له عدة دراسات أبرزها "أدب المقاومة في فلسطين"، و"في الأدب الصهيوني"، و"الأدب الفلسطيني المقاوم"، وله أيضًا مجموعة قصصية محورها الأطفال بعنوان "أطفال غسان كنفاني"، وقد ترجمت معظم تلك الروايات والكتب إلى العديد من اللغات وصلت إلى 16 لغة حول العالم أبرزها اللغة الإنجليزية والإيطالية والألمانية والدنماركية.

في ميزان الفكر الصهيوني الإجرامي فإن خطورة الكلمة لا تقل عن خطورة رصاصة البندقية؛ لأن الاحتلال يريد طمس حقيقة أنه كيان محتل لأرض فلسطين، وهم يدركون جيدًا أن وجودهم في أرض فلسطين ما هو إلا أكذوبة مؤقتة لأنهم قوة احتلال.

في الثامن من شهر يوليو/تموز عام 1972 استهدفت أجهزة الغدر الصهيونية سيارة الشهيد الذي كانت ترافقه ابنة أخته لميس، وكان الاحتلال وما زال يعتقد أن اغتيال الجسد يعني الخلاص من مقاوم فلسطيني، ولكن قصة الشهيد غسان كنفاني أثبتت فشل تلك النظرية، والآن وبعد مرور قرابة 50 عامًا على اغتياله إلا أن الأجيال الفلسطينية وكل الأحرار من العالم يتناقلون فكر كنفاني وكلماته وأدبه وكتبه ورواياته التي تزداد شبابًا وربيعًا كل يوم خصوصًا بين الشباب.

الحقيقة أن جهاز الموساد الصهيوني اغتال العديد من الشخصيات الفلسطينية المؤمنة بفكر المقاومة كطريق للتحرير، وترك على الساحة من يؤمنون بالتنسيق الأمني! ليست صدفة، وقائمة شهداء القلم والكلمة الذين اغتالتهم يد الغدر الصهيونية فيها رسام الكاريكاتير ناجي العلي، والأديب وائل زعيتر، والكاتب ماجد أبو شرار، وغيرهم الكثير.

تَشَكل أدب المقاومة الفلسطينية منذ بداية ما يسمى الانتداب البريطاني على أرض فلسطين (الاحتلال البريطاني لأرض فلسطين) تحديدًا في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو أدب ارتكز على فكرة تحرير فلسطين واستقلالها عن الاحتلال البريطاني سابقًا والصهيوني حاليًا، وذلك الأدب تشكل بمختلف أنواع الفنون وأبرزها الشعر والرواية والمسرح والقصص والكتب وحتى الأغاني الشعبية.

كثيرًا ما تعرض مثقفو فلسطين للاستهداف الاحتلال الصهيوني بطرق مختلفة منها التصفية الجسدية، وهو ما حدث مع الشهيد الحي غسان كنفاني الذي استشهد في السادسة والثلاثين من عمره، ولكنه من خلال كتاباته وأحاديثه ترك أثرًا أكبر بكثير من عمره، بل إن الأثر الثقافي لكنفاني أكبر من الكيان الصهيوني الذي سيزول بمشيئة الله لا محالة، هي مسألة وقت يدركها جيدًا قطعان المستوطنين وحاخاماتهم.