ما بعد اغتيال نزار

يُنكر ذوو الإحساس العالي بالكرامة على عامة الناس أن ترتضي عيشاً في وحل القهر والقمع وتكميم الأفواه، حتى لو كان عيشاً مستقراً وهانئاً، في حين يتعجب نفر من عامة الناس كيف يمكن للفئة الأولى أن تعيش حياتها ملاحقة ومستهدفة ومهددة في حياتها وحريتها ورزقها وحتى سمعتها، ذلك أن الذين لا يرون الكرامة أولوية لديهم يفترضون أن الجميع مثلهم، ولهذا يشكل عليهم فهم دوافع شجاعة بعض الناس وإقدامهم، وتضحيتهم بالحياة الآمنة الهانئة مقابل الانتصار لمبادئهم التي يؤمنون بها، والدفاع عن جملة القضايا التي يحملونها، ولهذا أيضاً ومن هذا الباب يدخل عامل تشويه السمعة الذي تنتهجه كلّ سلطة أمنية باطشة وذات مشروع باطل، متخاذل أو متسلط أو محتمٍ بعدوّه، فحين يرى البسطاء، في فهمهم أو همّتهم، شخصيةً ذات شجاعة نادرة وعصيّة على التفسير أو الاستيعاب يبدؤون بالتساؤل بشأن ما يُطلق حولها من شائعات، في حياتها أو بعد مماتها.

وهذا تماماً هو عنصر المرحلة الثالثة في الخطوات التي تحدّث عنها نزار بنات -رحمه الله- قبل اغتياله، حين كتب عن طريقة تصرف السلطة بعد اغتيالها أحد معارضيها، والتي تتلخص بـ (منع الكلام في الموضوع، ثم محاصرة حالة التعاطف مع الضحية، ثم بثّ الشائعات حولها، ثم إنكار وقوع الجريمة، ثم طمر القضية)، فبعد مرور هذه الأيام على الحادثة نشط الذباب الإلكتروني في بثّ الشائعات، مضافاً إليها تهديدات منفلتة ومفلسة، وبيانات مزورة تتطاير في كل الاتجاهات، ولكن بحبكة واهية ومنطق سخيف.

تحدّثنا وكتبنا كثيراً منذ حادثة الاغتيال وحتى اليوم، عن الجريمة ودوافعها ومغزاها، وعن نزار وما يمثّله، وعن أثره في حياته وبعد رحيله، لكننا اليوم نعيش تداعيات شاقة، لا تقل صعوبة عن وقع الجريمة ذاتها، وسط طوفان التزييف والتشويه، ومن القمع المعنوي والجسدي لكل الأصوات الحرّة التي باتت هدفاً للتصفية أو التحييد، والتي يُراد اليوم إسكاتها، بقوة الهراوة والغاز المسيل للدموع أمام كاميرات الإعلام في الميادين، وبالتهديدات المختلفة من وراء الكواليس.

إذن، نحن اليوم نعيش مرحلة مفصلية، لا يكفي فيها أن نقرّر أن (ما بعد حدث الاغتيال لن يكون كما قبله)، ولا أن نطلق النصائح والتوجيهات من بعيد، ولا أن نقول للقلة المنتفضة: افعلوا هذا ولا تفعلوا ذاك، ولا أن نطرح تصورات حالمة وخيالية وغير قابلة للتطبيق، ولا أن نساهم في تيئيس الفاعلين بالتقليل من أثر حركة احتجاجهم.

المطلوب اليوم أولاً أن نزرع الوعي بضرورات عدم السماح بتمرير الجريمة، أن نستنهض الهمم الخاملة لكي تقول كفى ولا، أن يفهم المجموع أن عليه التحرك ليس فقط استنكاراً لما حدث، بل أيضاً لأن التحرك ضامن لكي لا نعيش فصول جريمة سياسية جديدة، لكي لا يسيل دم أكثر، لكي لا تصبح تصفية خصوم السلطة منهجاً مألوفا، كما سبق وجرى مع الاعتقالات السياسية ومحاربة المقاومة وتعذيب المقاومين.

ويمكنني الآن أن أسرد عشرات المواقف التي حدثت على مدى خمسة عشر عاماً خلت، والتي كان يمكن أن يمنع تكرارَها وجودُ حاجز ممانعة شعبي لها، لو كان صلباً ومستمراً وجدياً بما يكفي، ولكن ثمة قلة ظلّت وحدها تتحمل أعباء الرفض ومجابهة الظلم، وقلة أخرى كانت تتحرك حين تُمسّ هي، وأكثرية كانت تكتفي بالمشاهدة، والرضوخ للتهديد ولإملاءات المرارة والتركيع، مكتفية بانتظار الفرج، أو لامبالية بحصوله ما دامت نار الظلم لا تطال بيتها.

في كلماته الأخيرة تحدّث نزار عن دوافع نشاطه، وقال إننا نتكلم حتى يعيش أبناؤنا بكرامة، واليوم تريد السلطة بأدوات قمعها وترهيبها وتهديدها وتزييفها للحقائق أن تطمس بقية كرامتنا، وأن تجعل الجيل الجديد يكبر وفي ذهنه صورة الهراوات وقنابل الغاز والبساطير العسكرية التي تصادم أطراف شعبها بدل أن تدوس رقاب عدوّها.

ونحن اليوم جميعاً من سنقرر: هل نريد لأبنائنا مستقبلاً مشبعاً بالكرامة وبالإحساس بقيمة الحرية، أم مجرّد حياة كيفما اتفق؟ ولكن علينا أن نتذكر دائماً أن هذا الجيل هو الذي سيحمل راية مواجهة الاحتلال وسياساته المتغولة على حقوقنا، ولا يمكن للأكف المرتعشة، الزاهدة بكرامتها، أن تحمل راية بثبات أو تجابه عدواً بإقدام.