في ظلال السيف

ثمة أسباب عديدة تجعل هذه المعركة الأخيرة التي خاضتها المقاومة في غزة حافلة بالبركة، ممتدة الظلال، عميقة الأثر، واسعة المدى، ومستحثة للتفاعل معها على مستوى الأمة كلها وأحرار العالم، وليس ضمن النطاق الفلسطيني وحده.

ورغم أن حرب 2014 (العصف المأكول) كانت حافلة بالمفاجآت العسكرية المتميزة لكتائب القسام، من عمليات إنزال نوعية خلف الخطوط، وإدخال لطائرات الأبابيل المسيّرة للخدمة، ورغم أنها تضمنت عمليات أسر لجنود صهاينة ما زالوا حتى الآن في قبضة الكتائب، ورغم أنها امتدت على مدار 51 يوماً، إلا أن خلاصة معركة (سيف القدس) تبدو أوضح في الوعي، رغم قصر أيامها، ولم يكن هناك خلاف على أن النتيجة تعدّ نصراً للمقاومة وهزيمة للمؤسستين العسكرية والسياسية الصهيونيتين. ومردّ ذلك جملة من العوامل:

  • بدا في هذه المعركة أن المقاومة في غزة بقيادة حماس تدافع عن الحقوق الفلسطينية كلها، وليس فقط تصدّ العدوان عن قطاع غزة، وتنتصر للمقدسات وعلى رأسها القدس، وتعدّ سلاحها وتراكمه لكي يكون جاهزاً لوقف العدوان على القدس في اللحظة المناسبة، بمعنى أن هذا الإعداد وذاك السلاح يستحقان كل ما بذل لأجلهما من تضحيات، وأن مشروع المقاومة، ومركزه غزة، جدير بالتفاف الناس حول حماته وثقتهم بهم وبعهودهم، التي تنفّذ فعلاً وعملاً نوعياً ولا تظل تتردد شعاراتٍ على ألسنة حملتها.

 

  • ليس من قبيل المبالغة القول إن المعركة حققت أهدافها منذ اليوم الأول، فإضافة إلى الصمود الأسطوري للمرابطين في حي الشيخ جراح وفي الأقصى، فقد أوقفت المقاومة أو جمّدت عملية تهجير أهالي حي الشيخ جراح، ومنعت اقتحام المستوطنين للقدس في يوم 28 رمضان، وهو اليوم الذي أعدوا له طويلاً، وكانت حكومة الاحتلال عازمة على إنفاذ الاقتحام وتسهيله لكي تسترضي الأحزاب الصهيونية المتطرفة، ولكي يستميلها نتنياهو لصفه في الانتخابات الخامسة. ثم كان الإفشال النهائي لنشاط المستوطنين ماثلاً أمام الشاشات حينما قُصفت القدس في اللحظة التي أعلنها أبو عبيدة، فتشتت مسيرة الأعلام الصهيونية وانفض اجتماع الكنيست.

 

  • إدارة المقاومة لهذه المعركة اتسمت بالحكمة والحنكة والذكاء، وموافقة التهديد للفعل، ومطابقة الإعلان للواقع، والتزمت القوى بمحددات الغرفة المشتركة للمقاومة، فبدا أن عموم الفعل متناسق ومتناغم، فلم تكن هناك إشكالات جانبية تشوش سير المعركة.

 

  • كان واضحاً أن المقاومة تسير في نسق تطوّر متصاعد من عام إلى آخر، ومن معركة إلى أخرى، وأن أداءها يتحسّن ويتطور، عسكرياً وإعلامياً وإداريا، فها نحن اليوم في ظلال (سيف القدس) نشهد لحظة باتت فيها كل فلسطين المحتلة في مدى صواريخ القسام المتطورة، وها هي طائراتها الانتحارية المسيرة تدخل إلى الخدمة إلى جانب الحديث عن غواصات غير مأهولة، وصاروخ العياش، وغير ذلك من مفاجآت يبدو أنها بقيت في جعبة الكتائب.

 

  • في هذه المعركة انتظمت ساحات فلسطين كلها في حالة فعل ميداني على إيقاع المعركة، فكانت القدس والضفة الغربية والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 تشترك في الهبة إلى جانب غزة، ورأينا كيف كان التزام هذه الأراضي حديدياً بإضراب الكرامة الذي عمّ كلّ فلسطين، إلى جانب مواجهات شملت الساحات كلها، بل نجحت في استقدام جماهير فلسطينية وعربية قرب الحدود مع فلسطين. وكل هذا كان يعني أن القضية الفلسطينية تعود إلى أصلها وجوهرها وحالتها الأصيلة الحقيقية، بعيداً عن التقسيمات الجغرافية والسياسية، وكل مشاريع التسوية المهلكة.

إن ظلال سيف القدس سيبقى مقيماً فينا وممتداً فوق هاماتنا حتى وإن حاول المرجفون والمفلسون نفي حضوره من آفاقنا، ووضع حدّ لبركاته الممتدة، فالحقيقة التي يعايشها الناس واقعاً حافلاً بالعزة والفخار لا يزيّفها تهويش صبياني على هوامشها.

لكن كل هذا لا يعني زوال الخطر عن القدس والمسجد الأقصى، ولا يعني أن المعركة في عموم فلسطين قد توقفت، فالقدس ستظل محور المواجهة الأول حتى زوال هذا الكيان الغاصب، وسيجدد الاحتلال محاولاته المساس بها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ومستغلاً لحظة غفلة أو انشغال، فلسطينياً وعربيا، وهو ما يعني أن المرحلة القادمة ليست للراحة، ولا للنزول عن الجبل والتعجل في سلوك مسارات أخرى، بل هي معركة إعداد واستعداد، لجميع الساحات الفلسطينية، وخصوصاً الضفة الغربية والداخل الفلسطيني، لأنها على تماس مباشر مع مخططات التهويد والاستيطان الصهيونية، ولأن عليها أن تنتظم في مسيرة جهود التحرر من إكراهات المراحل السابقة، وتطوير إمكانياتها بما يخدم مشروع المقاومة العام، ويزيد من فاعلية أدواتها ومدى تأثيرها.

وسيبقى "السيفُ أصدق إنباءً من الكتبِ... في حده الحدّ بين الجدّ واللعبِ".