"نستغرب من القصف وأسبابه، فالمكان آمن ولم تُطلَق صواريخ من المنطقة"، بتلك الكلمات تحدث رائد صبيح بحرقة بعدما فقد منزله على إثر قصف إسرائيلي يوم الأربعاء 12 مايو/ أيار الجاري.
حاول صبيح جاهدًا خلال تلقيه مكالمة من ضابط مخابرات إسرائيلي يخبره بنيتهم قصف مخازن مجاورة، ثنيه عن استهداف المكان الواقع في "شارع المخابرات" شمال مدينة غزة، كي لا يتسبب ذلك بضرر لأطفاله أو لسكان العمارة التي يقيم بها.
غير أن ضابط المخابرات رفض ذلك ودعاه لإخلاء المبني في غضون 5 دقائق فقط.
وأمام تعنت وإصرار الضابط الإسرائيلي أبلغ صبيح سكان العمارة على وجه السرعة بضرورة إخلائها فورًا.
وما هي إلا لحظات حتى خرجوا بملابس البيت على أمل العودة إلى شققهم بعد انتهاء قصف المخازن، لكن ما حدث كان مفاجئًا للجميع، إذ أقدمت طائرات الاحتلال الحربية على قصف العمارة التي يقيم فيها صبيح، وتم تسويتها بالأرض.
حالة من الغضب سيطرت على سكان العمارة من تبعات القصف، ما جعلهم في لمحة عين نازحين بالعراء لا يملكون أي شيء سوى ما عليهم من ملابس.
وبغضب يقول صبيح لـ"فلسطين": "إن جيش الاحتلال كذب علينا كعادته، ودفعنا إلى الخروج من العمارة ومن ثم قام بقصفها".
ويؤكد أن الاحتلال الإسرائيلي تعمد استهداف المدنيين وتدمير منازل الآمنين في أثناء العدوان الوحشي على قطاع غزة، داعيًا لمحاسبته لارتكابه جرائم حرب بحق المدنيين والأبرياء العزل.
ومع إشراقة كل يوم يحضر صبيح، برفقة أبنائه، إلى منزلهم المدمر، مستذكرًا الأيام والسنوات الطويلة التي أمضاها في المكان، قائلًا: "لا أقدر على مغادرة المكان أو الابتعاد عنه، فقلبي معلق به".
وما زاد من معاناة صبيح، أن له شقيقين يقيمان في العمارة ذاتها، وهما "زاهر" الذي يعيل أسرة مكونة من ستة أفراد، و"أحمد" الذي لديه سبعة أفراد، جميعهم هجروا إلى منزل والدتهم التي تقطن في مكان آخر، ليقيموا عندها لحين تدبر أوضاعهم وإيجاد مسكن لهم، وإعادة بناء ما دمره الاحتلال.
أوضاع مأساوية
وباتت الأوضاع أكثر مأساوية لدى صبيح، بعد أن أقدمت السلطة في رام الله على قطع راتبه قبل آذار/ مارس عام 2019م، دون إبداء أسباب القطع.
ورغم سوء الأوضاع التي تعرض لها رائد صبيح بعد تدمير منزلهم إلا أنه بدا محتسبًا يقول: "الحمد لله على كل حال".
ويحاول صبيح، جاهدًا وبصعوبة توفير احتياجات أسرته المكونة من ستة أفراد، بعد تدمير منزله وقطع راتبه، داعيًا لإعادة إعمار منزله، وإعادة راتبه المقطوع خاصة بعد قصف منزله وتدهور أوضاعه الاقتصادية إذ إنه بات في وضع لا يحسد عليه.
وتتكون العمارة السكنية التي يقيم فيها صبيح، من خمس طوابق، يضم كل طابق شقتين، ويقيم في العمارة قرابة 40 فردًا ينتمون إلى تسع عائلات، لكن بعد قصف منزلهم تشتتت تلك العوائل ولجأت للإقامة عند أقاربها لحين إعادة الإعمار.
وأعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بقطاع غزة، أن أكثر من خمسين ألف فلسطيني نزحوا من بيوتهم إلى مدارس وكالة الأونروا أو إلى بيوت أقاربهم، نتيجة العدوان الأخير على قطاع غزة.
وبينت الناطقة باسم الصليب الأحمر بغزة سهير زقوت أن هناك 700 ألف فلسطيني لا يحصلون على قدر كافٍ من الكهرباء و800 ألف لا تصل إليهم المياه، إضافة لخطر الصواريخ التي لم تنفجر وتهدد حياة السكان.
وأسفر العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة خلال 11 يومًا عن استشهاد 248 فلسطينيًّا، بينهم 66 طفلًا و39 سيدة و17 مسنًّا، وإصابة أكثر من 1948 بجروح مختلفة، بحسب إحصائية صادرة عن وزارة الصحة بغزة.
ووفق إحصاءات حكومية، تعرضت 1447 وحدة سكنية في غزة للهدم الكلي بفعل القصف الإسرائيلي، إلى جانب 13 ألفًا أخرى تضررت جزئيًّا وبدرجات متفاوتة.
وبلغ عدد الوحدات السكنية التي تعرضت للهدم الكلي 1800 وحدة سكنية، في حين بلغ عدد المساكن المتضررة جزئيًّا 16 ألفًا و800 وحدة سكنية، وفق ما قاله وكيل وزارة الأشغال العامة والإسكان ناجي سرحان، خلال مؤتمر صحفي بمدينة غزة.