لم يعد هناك فاصل زجاجي داخل محل الصراف حسام أبو شريعة يعزله عن أصوات الضجيج الخارجية، ولا ألواح جبس تغطي السقف، فكلها تحطمت بفعل تدمير طائرات الاحتلال الإسرائيلي الحربية برج الجوهرة الملاصق لمحله في غزة.
في داخل البرج الذي يقف على أعمدة هشة وأصبح آيلًا للسقوط بعدما أمطرته الصواريخ الضخمة، لا تتوقف حركة العمال وأصحاب المؤسسات في الصعود على درجاته المهشمة، من فوق الركام والحطام، يستخرجون ما تبقى من أثاث ومستندات وممتلكات، ثم بدؤوا يعلقون ملصقات ويافطات تحمل أسماء الأماكن المدمرة، كشاهدٍ من رخام على قبر حفره العدوان.
بالعودة لمحل الصرافة، فمنذ يومين يواصل حسام المكنى "أبو عصام" كنس الزجاج من المحل، ووضع مصابيح إنارة، تمهيدًا للبدء في العمل واستقبال الزبائن، مردفا: "زي ما أنت شايف حجم الأضرار بالمحل، لا ضل شباك ولا باب، تشعر إنك قاعد في الشارع"، يقولها بقهر وهو يعاين الأضرار.
رغم ذلك، تلمح في عينيه نظرة تحدٍّ وهو مصمم على مواصلة العمل حتى لو بالوضع الحالي غير المريح، فصوت محركات السيارات بدون باب زجاجي لا يطاق، إلا أن هناك ما يجبر أبو عصام على المضي قدمًا "نريد بدء العمل بدلًا من الجلوس في البيت".
أكمل استدارة سريعة في الأرجاء المتضررة معبرًا عن صعوبة ما ألم به راسمًا خط قوسٍ بحاجبيه وفاردًا يديه ينطلق صوته بعفوية "لو الشغلة خفيفة كان الواحد صلحها، بس الدمار كبير".
أبو عصام لا يضمن استمرار وقف العدوان على قاعدة "هدوء مقابل هدوء"، معبرا عن مخاوفه من تجدده وهو يقول: "ما حدا بعرف متى يتجدد إطلاق النار"، أما الشيء الآخر الذي يقلقه وبدا ظاهرا على ملامحه هو "البرج الذي أصبح آيلًا للسقوط، يمنعنا أيضا من إصلاح المحل لأنه في حال سقط سيدمر المنطقة".
ورغم كل ما أصابه إلا أن عجلة الحياة ستستمر "رغما عنا جميعا"، وهذا ما يؤمن به جيدا.
استند على اليافطة المتبقية من اسم المحل بعد احتراق اللوحة الكبيرة في مقدمة مدخله، ينظر في الفضاء الواسع أمامه وكأنه يتشبث بحبال الأمل يرفض رفع راية الاستسلام يسأل "أين سنذهب؟" ويجيب على نفسه "سنبقى في بلادنا إما نموت فيها شهداء أو مرابطين لن نذهب".
اسم ويافطة
داخل برج الجوهرة، يتفقد غسان عبد الجواد مشروعه "شركة مكة للحج والعمرة" الذي قبر بين أكوام من الحجارة، وكأنه يقرأ الفاتحة عليه، القهر يجثم على عينه يقلب كفيه بحسرةٍ وكأنه يسكب صوته في كأس المرارة "كما ترى، لم يبق أي شيء، جئت لَعلي أحصل على طابعة أو أجهزة أو حاسوب جيد، لكن للأسف كلها تدمرت".
لكن لم يرفع راية الاستسلام، رغم مرارة واقعه الذي يلقي عليه نظرة عامةً "نحن كشركات حج وعمرة منذ عامين توقفنا عن العمل بسبب جائحة كورونا، ولم نتلق أي مساعدة حكومية، ولا من أي جهة كانت، لكن قبل العدوان حصل تحسن في عملنا مع فتح معبر رفح، إلا أن الاحتلال قضى على كل شيءٍ".
يشير نحو اللوحة المتبقية من مقره يخط البؤس طريقه في مرافقة صوته "تدمر المقر، وسنضطر للعودة من الصفر، للبحث عن مكان نستأجره ثم نشتري أجهزة وطابعات، وهذا شبه مستحيل لأن إمكانياتنا صفر، خاصة أن عملنا متوقف منذ فترة فما بالك في هذا الدمار؟".
كالعنقاء، يحاول عبد الجواد النهوض من جديد وترميم جراحه، والعودة من المستحيل الذي أوجده الاحتلال "فهذا المكتب تعتاش منه أسرتي، ومن خلاله أصرف على تعليم أبنائي الثلاثة في كلية الطب".
يدخل في قلب معاناته أكثر يضرب يدًا بيد "اليوم مصدر الرزق الوحيد تدمر نهائيا، تخيل حجم المأساة التي نعيشها حاليا".
تطل الذكريات من عينيه، يرثي ارتباطه بالمكان، وبدا وكأنه يبتلعُ دموعه، يحاول إظهار تماسكه "رحلت الذكريات، لقد كنت أتواجد في المكتب أكثر من البيت، بنيت الشركة على مدار سنوات وكل ذلك ذهب بلمح البصر".
في جولة داخل البرج المدمر، تلمح كل أصحاب المؤسسات والمحال ينقذون ما يمكن إنقاذه، يدفعون بعجلة الحياة للدوران، يتشبثون بالأمل.
نظرة وداع
بواسطة حبل ينزل شاب الأثاث من الطابق الثاني على الإسفلت، فيستقبله سامي السوسي ويرصها على قارعة الطريق بجوار بعضها البعض، للوهلة الأولى تعتقد أنه عامل، هذا ما تخبرك به ملامحه المغبرة، لكنك تفاجأ أنه محامٍ جاء ومجموعة من زملائه لنقل الأثاث تحسبًا لانهيار البرج.
ركَن سامي قطعة الأثاث التي حملها على قارعةِ الطريق، لتحجز مكانها بجوار قطع كثيرة أنزلوها منذ الصباح، يتأمل البرج وكأنه يلقي عليه نظرات وداع، وفي صوته مرارة "لم نستطع نقل الملفات المهمة المتعلقة بحقوق الناس، وهذه الملفات لها 40 عاما، كلها ذهبت بلمح البصر، صحيح أننا استطعنا الحصول على أشياء، لكن هناك مستندات قيّمة ليس لها في إثر مع قوة الانفجارات".
ورغم عودة الحياة لغزة بعد العدوان، إلا أن التعافي من آثاره ليس قريبا "نتحدث عن ملفات وحقوق أصلية وكتب وتاريخ، فجأة كلها ذهبت بلمح البصر مرة واحدة، ولا نعرف كيف يمكن أن نعوضها"، ورغم هذا الضرر الذي يعرضه المحامي السوسي إلا أن المسيرة القانونية لن تتوقف: "بالنسبة للاستسلام لا أحد يستسلم، وحينما نقع يجب أن نقف ثانيةً وننفض غبار الألم" شعار رفعه وذهب لمواصلة العمل.
مطبخ بيتنا
لم تعد الروائح مما لذ وطاب تنبعث من مطبخ "بيتنا" المقام أسفل البرج، لا يصل إلى أنفك سوى رائحة الغبار المتطاير من أنقاض المشروع النسائي لسجى أبو شعبان ورفيقاتها.
على مدار عام بذلت سجى جهدًا كبيرًا في إنشاء المشروع الذي التقت فيه أحلام أربع سيدات في "بيتنا"، تميز بتقديم أكلات بيتية، ورغم بدايته الصعبة إلا أنه مع مرور الوقت بدأ ينجح، ويتزايد عليه الزبائن، لكن حينما اقترب من الوقوف على قدميه، بترهما الاحتلال وسقط المشروع بكل ما يحتويه داخل حفرة صنعها صاروخ حربي.
مشهدٌ أبكى سجى حينما ذهبت في اليوم التالي من قصف البرج لمعاينة الأضرار، حيث لم تنتظر انتهاء العدوان، قساوة المنظر ينبعث من صوتها المقهور: "أوقفت السيارة أمام المحل توقعت أن أجد شيئا يدل عليه، لكن لم يبق منه أي في إثر".
الشيف سجى التي حصلت على دورات وميداليات ذهبية في إعداد أشهى الأكلات العربية، لم تعتد على إعلان الهزيمة حتى لو كانت الظروف أكبر منها، "احنا مش راح نضعف وإرادتنا قوية وحنبدا من جديد، ونبني المكان ونرجع أقوى".