يُعد ملف "المحاكمات السياسية" الذي تنتهجه السلطة في مختلف مدن الضفة المحتلة، من أهم الملفات وأعقدها، ويبدو أنه سيقف عثرة في طريق الانتخابات، خاصة بعد حديث القوى والفصائل الفلسطينية بإيجابية عن مخرجات الحوار الذي شهدته القاهرة في الثامن فبراير/ شباط الجاري.
وتطال هذه السياسة التي تمتد جذورها منذ بداية الانقسام السياسي عام 2007، المئات من المواطنين، لا سيَّما الذين تعرضوا للاعتقال السياسي وأُفرج عنهم، إذ يمتثلون أمام محاكم السلطة على مدار سنوات عدَّة دون توجيه تُهم واضحة ومُحددة.
ويطالب مراقبون، رئيس السلطة محمود عباس بضرورة إصدار مراسيم تنهي الاعتقال السياسي وكل تبعاته ومن ضمنها "المحاكمات السياسية"، مع ضمان تنفيذها عمليًّا على الأرض، لتهيئة الأجواء والشارع الفلسطينية لعملية انتخابية ديمقراطية.
تصفية الخصوم السياسية
وفسَّر رئيس جمعية نادي القضاء بالضفة فاتح حمارشة، ما يجري من محاكمات سياسية للمواطنين بالضفة، بأنه توظيف سياسي لقانون العقوبات أو بعض النصوص الموجودة فيه، دون صياغة قانونية.
وأوضح حمارشة لصحيفة "فلسطين"، أن طريقة صياغة النص التجريمي ضد المتهم يكون فضفاضًا مثل "تهمة إثارة النعرات الطائفية، وحيازة سلاح دون ترخيص"، مشيرًا إلى أن النصوص بهذه الطريقة، "قد يُساء استخدامها من السلطة لتصفية الخصوم السياسية، خاصة أن مثل هذه التهم غير موجودة في فلسطين أصلًا".
وبيَّن أن الخطر يكمن في استغلال الجرائم فيما يُسمى "التوقيف على ذمة التحقيق" من أجل طلبات تمديد التوقيف والحبس الاحتياطي كعقوبة مُقنعة، منبهًا إلى غالبية التهم تكون نتيجتها البراءة.
تهم غير مفهومة
بدوره، قال مدير مجموعة "محامون من أجل العدالة" مهند كراجة، إن نيابة السلطة في الضفة تتذرع بهذه التهم من أجل تجريم المعتقلين السياسيين واستمرار محاكماتهم حتى الإفراج عنهم.
وأكد كراجة لـ"فلسطين"، أنه لا يوجد مبررات لهذه المحاكمات لكون التهم "غير مفهومة وتطبيقها غير صحيح".
وأفاد بأن آلاف الطلاب والمعتقلين السياسيين الذين أُفرِج عنهم ما زالوا يحاكمون بتهمة "تلقي أموال من جمعيات غير مشروعة" وتُهم أخرى، ويمثلون أمام المحاكم دون أخذ حُكم بحقهم، لافتًا إلى أن بعض القضايا ما زالت أمام المحاكم منذ عام 2007.
وتحدث كراجة عن عشرات المواطنين الذين أفرج عنهم وما زالوا يُحاكمون بتهم الانتماء للقوة التنفيذية التي شكَّلتها حركة حماس، وآخرين على تُهم الإرهاب، "وكل هذه تُهم سياسية فقط".
وأفاد بأن ما يزيد على 95% من القرارات الصادرة عن المحاكم في عدد من القضايا هي "البراءة"، لأن الوقائع غير حقيقية، مشددًا على أن "موضوع المحاكم يشوبه الكثير من المشاكل واللغط".
وجدد تأكيد ضرورة وقف الاعتقالات السياسية وكل ما نتج عنها مثل "المحاكمات السياسية" وغيرها من القضايا، في سبيل تهيئة الأجواء لإجراء عملية انتخابية ديمقراطية.
تخويف وترهيب
كما شدد كراجة، على أن "هذه السياسة تدلل وجود نظام غير ديمقراطي وتدخل من السلطة التنفيذية في عمل القضاء والمُحامين، وبمعنى أصح سيطرة على القضاء"، مشيرًا إلى أن مواصلة السلطة لهذه السياسة تندرج في إطار "التخويف والترهيب".
في حين رأى الكاتب والمحلل السياسي من رام الله د. عادل سمارة، أن السلطة تحاول إثبات نفسها كقوة قمعية، إذ تفتقر للقدرة على فرض السيادة على الأرض أمام الاحتلال وتحاول فرضها على المواطنين فقط.
وعدَّ سمارة في حديث لـ"فلسطين"، والذي يمثل أمام محاكم السلطة منذ يونيو/ حزيران 2016، حتى الآن، بتهمة "القدح والذم، هذه السياسة "مكون أساسي من اتفاقية أوسلو"، مبينًا أنه سيخضع للجلسة رقم (29) في شهر إبريل/ نيسان القادم.
وانتقد ضعف موقف القوى والفصائل الفلسطينية لصد سياسة السلطة، قائلًا: "القوى السياسية لا تتكاتف مع بعضها بعضًا ضد السلطة في عملية قمعها، وهذا يزيد الفلتان داخل الأراضي الفلسطينية كما هو حاصل الآن".
وعدَّ استمرار تلك السياسة "ليست بعيدة عن التنسيق الأمني مع الاحتلال"، ما تؤدي إلى خلخلة وشل المجتمع الفلسطيني من داخله، مضيفًا: "يجب على السلطة أن تكون مرنة، لكي تُعيد تماسك المجتمع لمواجهة إجراء العدو الصهيوني".
وبيَّن أن خلخلة المجتمع داخليًّا "يخدم العدو بشكل واضح سواء بصورة مقصودة أم لا"، مستبعدًا التزام السلطة إنهاءَ هذا الملف حتى بعد إصدار المراسيم المتعلقة بوقف الاعتقالات السياسية، خاصة في ظل غياب القوة الضاغطة شعبيًّا على السلطة.
ودعا سمارة، إلى ضرورة مواجهة هذه السياسة عبر حركة اجتماعية سياسية معارضة ورافضة، مع تجنيد المواطنين ضد القمع السلطوي.