ملابس التوائم المتشابهة.. العبث "الوالِدي" في صناعة "المصير"

...
غزة - آلاء أبو عيشة

"لا أراه إلا من باب المنظَرَة"، تقول أم عاصم وهي تلوي فمها المضموم يمينًا وشمالًا تعليقًا على صنيع كنتها مع ابنيها التوأمين! إذ تنفق –على حد تعبيرها- الكثير من المال كي لا يأخذ الناس وقتًا طويلًا إن رأوها تمشي معهما في الشارع حتى يعرفوا بأنهما "توينز"! تطابق الثياب وقصة الشعر ولون الحذاء.. حتى في الاهتمامات دفعتهما إلى أن يكونا "واحدًا" عندما سجّلتهما معًا لدى مدرّبٍ للعبة الكاراتيه رغم أن أحدهما أقل طولًا ووزنًا من أخيه..


تزيد الحماة: "لا أفهم العبرة في شراء قميصين وبنطالين وحذاءين متشابهة في كل مرة؟"، مضيفةً: "من المتعارف عليه –بلا مؤاخذة- أن ملابس أي طفل تنتقل عندما تصبح صغيرة المقاس إلى أخيه الأصغر منه سنًا، وهنا دعوني أسأل: ماذا سيفعل أخوهما الأصغر منهما والذي صار يبلغ العام في نسختين متشابهتين من كل زي؟", صمتت قليلًا واستدركت: "لا أعدّ هذا إلا إرهاقًا ماديًا لابني بكل صراحة".



بعيدًا عن المشهد الجمالي اللطيف لنسختين متطابقتين من بني البشر يمشيان معًا وسط الطريق، تمكنت الجدة أم عاصم من الالتفات إلى خطأ شائع في مجال تربية التوائم وإن كان قياسها للأمر اقتصر على الجانب المادي وحسب.. إلا أنها لم تنتبه إلى خطرٍ أكبر بكثير من "هدر المال" قد تسببه تصرفات الأهل تجاه أبنائهم من التوائم تحديدًا في مسألة اختيار الملبس الواحد.. وهو ذلك الذي يتعلق بـ"هدر الشخصية" عندما ستتعدى صورة الاثنين "التشابه شكلًا" إلى المضمون أيضًا..



الرأي وارد والواقع مفروض..



"غادة" هي أم لتوأمين من البنات، وهي ككنة أم عاصم تمامًا؛ لا تختار لابنتيها إلا الثياب المتطابقة منذ كانتا في "اللفة"، وتقول: "لأنهما توأمان.. خرجتا إلى هذا العالم في يومٍ واحد، وهنا يتحتّم عليّ أن أعاملهما كشخصٍ واحد، أو على الأقل أتباهى بهما أمام الناس".



ولكن هل تقبل الفتاتان وهما الآن في عمر 14 عامًا ارتداء الملابس ذاتها عند الخروج في مشوار؟ تجيب الأم: "أحيانًا تبدي فرح وهي أكبر من أختها مرح بدقائق تذمرها من فكرة ارتداء نفس زي أختها، لكنها تعرف جيدًا أنها مذ ولدت لا مجال لديها إلا أن تتفق مع أختها على اختيار زي واحد لشراء نسختين منه"، مبينةً أن فكرة الاختلاف في انتقاء الملابس غير واردة البتة بالنسبة لابنتيها "فقد اعتادتا الظهور بشكل واحد أمام الجميع منذ الصغر".



وتعاني "غادة" مع ابنتها الأولى كثيرًا حيث لم يعطها الله ذكاء أختها الثانية مرح ولا خفة ظلها، فتراها أمها في كثير من الأحيان تحاول الجلوس وحيدةً بعيدةً عن أختها غيرةً منها –على حد وصفها (أمها)- بل إنها تحاول تقليد أختها في كل تصرفاتها، "وهذا بدأ يظهر حتى لمدرساتهما داخل المدرسة".



فرضية "التلاصق"



يقول الاختصاصي النفسي أ.زهير ملاخة: "للأسف هذا الأمر يهمله الكثير من أولياء أمور التوائم في مجتمعنا العربي، حيث ينبهرون بشكل التوأمين المتطابق، وهذا ما يدفع الأهل إلى تأكيد أخوتهم بالملبس المشترك غير مكترثين بما قد يشكله ذلك من خطر على صناعة شخصية كل واحد من الاثنين"، مبينًا أن بعض التوائم وبسبب فرضية التلاصق التي يصنعها الأهل لكل منهما داخل وخارج المنزل يعانون من مشكلات كثيرة على رأسها ضياع فهم الواحد منهما لشخصيته حيث يرى نفسه في شخصية أخيه بينما يصبح الشعور بالأمان مرتبطًا بوجود الثاني لدى كل منهما أينما حل أو ذهب.



ويضيف: "ينشأ التوأمان اللذان "يتشابهان في الشكل الخارجي" بسبب رغبة الأهل، غير قادر على الاختيار، يركن إلى ما قد يختاره أخوه، فيما قد يكبر أحدهما صاحب شخصية متسلطة فيدفع الآخر الذي كبر ملتصقًا به شكلًا إلى تنفيذ رغباته دون الالتفات إلى رأيه أو ما يريده هو".



ويواجه الكثير من التوائم الذين يحاول أهاليهم إبقاءهم سويةً في كل الوقت "لتشكيل ثنائي مثالي"، الكثير من الصعوبات عندما يضطران إلى الانفصال عند الكبر لغرض السفر أو الدراسة أو حتى الزواج, تبعًا لملاخة.



اتركوا له الخيار



وشدد ملاخة على أهمية التفرقة بين التوأم في الملابس والشكل، وفي الوقت ذاته على معاملتها بنفس المعاملة وبين الاثنين فرقٌ كبير"، مؤكدًا أهمية ترك المجال لكل واحدٍ منهما كي يختار ملابسه التي ستشكل ذوقه الخاص، ولعبته التي يود اللعب بها أو حتى اهتماماته الرياضية والأدبية التي يحب.



ونصح بأهمية جعل لكل طفلٍ من التوأمين وقتًا للحديث المنفصل معه من قبل أهله، ماذا يريد؟ ما طموحه؟ ماذا يحب أن يقول لأبيه أو لأمه ليعتاد التعبير عن نفسه وحده دون وجود شخصٍ مكمل "فمهما استمتع التوأمان باللعب والتواجد سويًا، قد يحتاج أحدهما إلى وقتٍ مستقطع يقضيه وحده مع أمه أو أبيه ليشعر بكيانه المستقل الكبير، غير المجتزأ من شخصٍ آخر، معلقًا بالقول: "لا تعاملوا توائمكم على أنهم نسخة من بعضهم البعض، عليكم أن تساعدوهم في تكوين وعيهم الخاص لذواتهم".



وليس من الضرورة إن أحب أحد التوأمين اللعب بالكرة أن يحب الآخر ذلك، وهذا ما على الأهل أن يدركوه –والحديث لـ ملاخة- إذ إننا كثيرًا ما نرى أمهات ألحقن توائمهن بدورات لتعليم ألعاب القوى الرياضية، أو حتى دورات تعلم الرسم والفنون بينما أحدهما لا يرغب بذلك.



ونبه ملاخة على أهمية عدم إعطاء التوأمين اهتمامًا أكبر من الذي يولى لإخوتهما الباقين، "وهذا خطأٌ كبير وشائع له آثاره السلبية على التوأمين نفسيهما وعلى باقي الإخوة أيضًا"، مفصلًا ذلك بالقول: "قد يشعر الإخوة بالإهمال من قبل أمهم إضافة إلى الغيرة من الأخوين التوأمين، فيما قد يشعر الطرف الأخير بالغرور، وتنمو لديه غريزة السيطرة والتطلب، وهذا بطبيعة الحال سيسبب مشكلات لدى الإخوة جميعًا قد تتطور إلى نزاعات حتى ما بعد الكبر والزواج".