عادت "اسطوانة التهديد" التي اعتاد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إطلاقها دون تنفيذ للظهور مرة مجددًا، ملوحًا هذه المرة بـ"إلغاء الاتفاقات الموقعة مع الاحتلال وأمريكا حال قيام الائتلاف الإسرائيلي بضم أجزاء من الضفة".
وسبق لعباس أن توعّد بذلك إبان الإعلان عن "صفقة القرن"، فضلًا عن قرارات سابقة صدرت عن المجلسين المركزي والوطني والتي بقيت حبرًا على ورق، كما يؤكد محللون سياسيون تحدثوا لصحيفة فلسطين، مشيرين في الوقت نفسه إلى أنّ إمكانية تطبيق ذلك غير ممكنة حتى لو ضمت (إسرائيل) أجزاء من الضفة لأن وجود السلطة مرتبط بوجود الاحتلال.
عساف: مشروع السلطة المنهار فعليًّا وصل لنهايته على الأرض
ويعتقد المحلل السياسي عمر عساف، أن السلطة تبحث عن مخارج أخرى غير قطع العلاقة، قائلا: "عودتنا السلطة منذ ربع قرن خلال مسار التسوية على عدم الجدية في اتخاذ مواقف، فما الجديد؟، مع أنه لم يتبقَّ شيء إذا ما أقدمت سلطات الاحتلال على ضم الضفة".
وقال عساف لصحيفة "فلسطين": إنّه تطبيق الضم لأراضي الضفة يعني أن مشروع السلطة المنهار فعليًّا قد وصل لنهايته على الأرض، وهذا يلغي أي إمكانية للحديث عن دولة فلسطينية متصلة ويحل السلطة إلى سلطات خدماتية.
ولفت إلى أنه لا يوجد مقدِّمات جديدة لموقف عباس الأخير، وإذا لم ينفذ قراره في هذه الفترة فلن يكون له جدوى فعلية في حال أقدم الاحتلال على الضم.
قاسم: عباس لا يملك رؤية جديّة لفعل ذلك ولا يستطيع
في حين يقول أستاذ العلوم السياسية د. عبد الستار قاسم: "عباس هدّد مرارًا وتكرارًا بإلغاء الاتفاقيات مع (إسرائيل) وفي كل مرة لا يفعل، لأنه إما يكذب أو لا يستطيع لأن الاحتلال ربطه تماما أخلاقيًّا وسياسيًّا ووطنيًّا، ويمكن أن يفضحوا شأنه إن تمرد عليهم"، عادًا تصريح عباس بلا قيمة".
وأضاف بأن "الاحتلال يقيد رجالات السلطة، وإذا توقفوا عن خدمته فلا مكان لوجودهم"، لافتا إلى أنّ سلطات الاحتلال هوّدت الضفة على قدم وساق منذ 25 عاما، ولا تمتلك السلطة أي سيطرة على الأرض جغرافيًّا واقتصاديًّا، وكأننا نعيش أشبه بـ"احتلال بالوكالة".
ونفى قاسم أن يكون لدى عباس أي جدية في تنفيذ التهديد، متمّمًا: "عباس كذب علينا عدة مرات، ومن المفترض أننا لسنا أغبياء لدرجة التصديق".
محسن: السلطة لا تستطيع ذلك فسياساتها مرهونة به
إلى ذلك، لا يرى القيادي في حركة فتح "التيار الإصلاحي" عماد محسن وجود جدية في تهديدات عباس، لأن من يفرض ذلك هي السلوكيات على الأرض، مشيرا إلى قرارات المجلس المركزي الفلسطيني الواضحة والمحددة بشكل دقيقة – التي لم تنفذ – وخارطة الطريق الفلسطينية التي تقود لمصالحة وطنية وأعمال الشراكة وتكريس الوحدة، وما سوى ذلك "ذر للرماد في العيون".
وكان المجلس "المركزي"، قد قرّر في دورته الأخيرة 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2018، إنهاء كافة التزامات منظمة التحرير والسلطة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وفي مقدمتها تعليق الاعتراف بـ(إسرائيل) ووقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة، والانفكاك الاقتصادي، وهي ذات القرارات التي أصدرها في دورتيه السابقتين في يناير 2018، وأخرى في مارس 2015، لكن هذه القرارات لم تنفذ إلى اليوم.
وعزا محسن أسباب عدم قدرة السلطة على تنفيذ تهديداتها إلى أنها رهنت نفسها بالصلاحيات التي يمنحها منسق مناطق "الشؤون المدنية" التابعة لجيش الاحتلال وهذه "كارثة"، فضلا عن التعويل على الطرف الإقليمي أو الدولي وهي "سقطة سياسية كبيرة"، مؤكدًا أن السلطة لم تضع يوما الخيار الشعبي بشكل فعلي أمامها وهذا ما يجعلها عاجزة تمامًا الآن.
وحول نظرة الشعب إلى تكرار التهديد دون تنفيذ، أضاف: "السلطة تعرف أن شعبنا واع ومسيس يعرف ويفهم ما بين وبعد السطور وخلف الكلمات، وهو يدرك تماما أنه ساقط من حسابات السلطة، وأنها تتخذ قراراتها بعيدا عنه".

