فلسطين أون لاين

​​​​​​​"فتح" تحتكر جمع التبرعات بمحافظات الضفة وشبهاتُ فساد حول التوزيع

...
رام الله- غزة/ يحيى اليعقوبي:

من الفعل الإغاثي الممنوع إلّا تحت مظلة "لجنة الطوارئ العليا" المشكَّلة من حركة فتح، إلى "الطرود الغذائية" التي تختفي، تضيع المصداقية وتنعدم الشفافية في عمليات توزيع المساعدات بمحافظات الضفة الغربية لمستحقيها.

صراعات تدور بين أقطاب فتح حول تقاسم حصص المساعدات الغذائية فيما بينهم، في حين يبقى المواطن والعامل وموظف القطاع الخاص ينتظر دون أن تصله أي طرود غذائية، حتى خرجت أصوات تفضح الأمر بعد أن طفح بها الكيل.

خرج الأمر على السطح، في 15 مارس/ آذار الماضي، عندما اتهمت إلهام عبد الجواد رئيس جمعية "على طريق الخير نمضي" في بيت لحم، أمين سر فتح في المدينة، رائد دنون، بالتآمر لسرقة مساعدات الجمعية التي أعدتها لدعم المواطنين في ظل ما تشهده بيت لحم من إغلاق وحجر صحي ومنع العمال من العمل.

وقالت عبد الجواد في فيديو بثته على صفحة الجمعية في "فيسبوك"، بعد أن فشلت في منع السرقة، إنها ستكشف كل التفاصيل لأن من حق أبناء شعبنا أن يعرفوا حقيقة سرقة المساعدات التي تسعى الجمعيات لإيصالها لهم.

القصة بدأت عندما تواصلت الجمعية مع الشركة الإسلامية الفلسطينية للتنمية في طولكرم لتوريد كمية من المساعدات، التي بدورها تقدمت بمساعدة ب100 طرد غذائي، وأرسلتها عن طريق سائق سيارة، الذي اتصل برئيسة الجمعية في 12 أبريل الجاري، وقال لها إن المساعدات تمت مصادرتها في منطقة العبيدية، وإن دنون حاول مصادرة مبلغ مالي (3200 شيكل) كان يحمله أمانة لتسليمه لرئيسة الجمعية.
 

حركة فتح هاجمت في بيان رسمي الجمعية، وحاولت الدفاع عن دنون وتوضيح أن ما ادعته "كذب وافتراء"، في حين قررت الشركة الممولة التي تبرعت بالمساعدات التراجع عن قرارها، وإعادة الطرود الغذائية من بيت لحم إلى مقر الشركة في طولكرم.

أين ذهبت الطرود؟

لم يكن ذلك الشيء الوحيد، فالناشط (mohammad Raee) كتب على صفحته في فيسبوك حول الموضوع: "700 طرد غذائي للفقراء والعائلات ميسورة الحال كانت في طريقها لمنطقة معينة، وصل 200 طرد غذائي وتوزع منها 50 طردًا فقط (...) أحد الأشخاص المقتدرين فكر مجرد تفكير بتوزيع طرود إغاثية ومساعدات لبعض العائلات، سمع بخبره أحد المسؤولين الكبار بالبلد وحكاله ممنوع توزع رغيف خبز واحد إلا تحت سقف (لجنة الطوارئ العليا) ونحن بمعرفتنا نوزعها وإلا ستندم (...)".

وأضاف في منشوره أن "بعض المواطنين وزعوا طرودًا غذائية على بعض العائلات فاعتقلتهم أجهزة أمن السلطة بحجة أنها طرود مشبوهة ولا تخدم المصلحة الوطنية العليا.. عن أي دعم وتكافل تتحدثون؟"، ليبقى السؤال: أين ذهبت الـ700 طرد؟".

وبحسب مصدر خاص من الضفة الغربية تحدث لصحيفة "فلسطين" طالبًا عدم الكشف عن اسمه، فإن هناك صراعات كبيرة تدور بين لجان الطوارئ المشكَّلة من فتح بالضفة، وأن رجال أعمال وتجارًا قدموا مساعدات -من خلال اللجنة- لكنها اختفت قبل أن تصل للفقراء. وأضاف أن بعض المساعدات تصل غير مكتملة العدد للمناطق المصابة بفيروس كورونا، وهذا بات معروفا، وأن الناس فقدت الثقة "بلجان الزكاة التي تسيطر عليها فتح" وتذهب للشخصيات الاعتبارية كإياد ناصر الذي اعتُقِل.

تضييق على العمل الخيري

"توزيع طرود غذائية".. ربما اعتدت قراءة هذا الخبر على مواقع ونشرات الأخبار والصحف، ضمن عمليات التكافل الاجتماعي، ومن الأعمال المهمة المساهمة في التخفيف عن الفقراء وقت الطوارئ والأزمات. لكن الفعل الإغاثي الذي قام به إياد ناصر دفع ثمنه ووجهت له تهمة زجت به في سجون السلطة، لتكون هذه قضية أخرى، تفرض فيها فتح سطوتها على أي شخص يعمل خارج إطار مظلتها وتعتقله بدلا من اعتقال من وجهت إليهم تهم "سرقة المساعدات".

كان دوره أقرب ما يكون وسيطًا بين التجار والعائلات الفقيرة، بعدما حمل ناصر من طولكرم أمانة من تجار المدينة لإيصال مواد تموينية تبرع بها تجار لفقراء بلدته "الشويكة" الواقعة بضواحي طولكرم لثقتهم به لباعه الطويل في العمل الخيري وعلى معرفة بالعائلات الفقيرة.

هذه العملية كانت كفيلة باعتقاله من وقائي السلطة الاثنين قبل الماضي وتوجيه تهمة توزيع "طرود مشبوهة" له لأنها لم تكن تحت سقف لجنة الطوارئ العليا التي تديرها فتح.

عبر سماعة الهاتف، يقول عبد الله ناصر شقيق إياد لصحيفة "فلسطين": "بعدما وزع شقيقي المواد التموينية، اعتقله جهاز وقائي السلطة بطولكرم الساعة الثانية فجر الاثنين الماضي، وخلال الاعتقال اقتحموا البيت وفتشوه تفتيشًا دقيقًا".

ويعلق شقيقه على التهمة وقد احتارت كلماته في وصفها بنبرة صوت غاضبة: "وجهت محكمة طولكرم إليه تهمة توزيع طرود غذائية، وبناء على ذلك مددت اعتقاله (...)، نحن كعائلة نستهجن اعتقال السلطة فاعل خير وتجريمه، فإلى أي قرار أو قانون استند القاضي؟ وما الشيء الذي يخوله سجن شخصٍ يعمل بالعمل الخيري؟".

وناصر أسير محرر أمضى نحو عامين لدى الاحتلال، وفق شقيقه، واعتقل نحو 50 مرة لدى السلطة أيامًا وأسابيع وشهورًا على خلفية انتمائه السياسي، أو على مضمون خطب الجمعة التي كان يلقيها.

احتكار العمل

من جانبه قال النائب في المجلس التشريعي، فتحي القرعاوي: "أمر مؤسف أن يُعتقل ناصر على خلفية مساعدة الناس"، مشيرًا إلى أن المساعدات التي وُزِّعت جاءت بتبرع من مواطنين عاديين بعيدًا عن الفصائل.

وأضاف قرعاوي لصحيفة "فلسطين"، أنه بات واضحًا أن لجنة الطوارئ العليا التابعة لفتح تريد احتكار العمل لذاتها فقط، مبينًا أنه مع نهاية الشهر الجاري سيتبين حجم الوضع الإنساني "الصعب" الذي يعيشه سكان الضفة، وهذا بحاجة لكثير من المساعدات وتوسيع دائرة المعونة، في ظل تعطل العمال، وتقاضي الموظفين أنصاف رواتبهم.

وبين أن الكثير من أصحاب الأموال يترددون لمن يعطون أموالهم؛ لأن الرقابة معدومة، فجهة التوزيع واحدة لا تريد لأي طرف التدخل في العملية.