"أوراق خضراء" ولكن

...

غزة - نبيل سنونو

تحاصرك بجمالها، وتأسرك برونقها، تتسلل إليك رائحتها، لما تمر بزوايا وأركان أسواق غزة العتيقة، تخطف أنظارك إليها، تشدك شدًّا، وهي التي جعلت الكثيرين يغرمون برؤيتها قبل كل شيء على مائدة الإفطار.

1. شرط

"جرجير، بقدونس"، ينادي الباعة في سوق الزاوية العتيقة بغزة، لا يمكن تخيل السوق دون سماع مناداتهم المارة، خصوصًا في رمضان.

حيثما وليت وجهك هنا في سوق الزاوية فسترى الجرجير (الروكة)، والبقدونس، والخس، والنعنع، وسترى نفسك تنجذب إلى بهاء لونها الأخضر، ورائحتها النقية.

وثمة ارتباط بين هذه المزروعات ورمضان، فقد جزم أحد الباعة أن وجودها على موائد الغزيين بمنزلة "شرط"، معللًا ذلك بقوله: "هاي الأشياء لازم تكون موجودة على سفرة الإفطار، لأنها بتخليك عندك نشاط وحيوية، وخصوصًا الجرجير فيه فوائد كتيرة للصايم".

البائع الثلاثيني رامي أبو خاطر ذو الوجه الأسمر البسَّام يتجول بعربته التي تحتضن الجرجير والبقدونس والخس والنعنع في سوق الزاوية، كما اعتاد كل يوم.

يبين هذا البائع أن هذه المزروعات تستخدم بكثرة في المطبخ الغزي، قائلًا: "البقدونس يستخدم في الطبخ، والجرادة الخضرا في السلطات، والنعنع للشاي، والخس والجرجير جنب الأكل ومع السلطة، وحسب ما الشخص بده".

ويشير إلى وجود إقبال على بضاعته، "لأنها لازم تكون موجودة على الإفطار وبالذات الجرجير، والسفرة اللي ما عليها هالشغلات تعتبر ناقصة، هي زي الخبز بالضبط على السفرة لازم تكون موجودة" والكلام للبائع.

وهذه المزروعات التي يجنيها من أرضه في خان يونس (جنوب قطاع غزة) منخفضة الثمن، فيمكن شراؤها بشيكل واحد، وهو ما يشجع المشترين على الإقبال عليها.

وعلى ذكر أن هذه المزروعات تزرع في خان يونس نشير إلى وجود اختلاف بين الغزيين في تسمية "الجرجير"، فمنهم من يطلق عليه "روكة".

يقول أبو خاطر عن ذلك: "هدا على حسب ما الناس تعودت، إحنا في الجنوب (جنوب القطاع) بنقول جرجير، وبتذكر قبل 15 سنة إجيت هنا أبيع جرجير، بعرفش إنه أهل غزة بيقولوا عنه روكة، فصرت أنادي: "جرجير جرجير"، محدش دوّر علي، فإجا واحد قالي: (يا عمي هاي روكة)".

وعن زراعة الجرجير (الروكة) والنعنع وما شابه يقول البائع: "سهلة لما تكون في موعدها، مثلًا الجرجير موعده شتوي لما ينزرع في الصيف غلبة كتير، ولكن مع ذلك بينجح في معظم الأحيان".

صمتنا جميعًا برهة ونحن نتأمل السوق، كل ما في السوق يُشعرنا بأجواء رمضان: أصوات الباعة، والبضائع المعروضة، والمارة، ثم عاد أبو خاطر ليؤكد أن هذه المزروعات أساسية في رمضان بما لا يقبل الجدل مع أنها مجرد أوراق خضراء.

2. "عيد"

عند سؤالك البائع "أبي خاطر" عن جدول حياته اليومي في رمضان؛ فإن الابتسامة ستعتلي وجهه كأنما حطّ عليه مزيج من الفرح والهناء.

يبدو جليًّا أنه يعيش حياته ببساطة، ولكن بكد وجهد لتوفير احتياجات أسرته، كما يبدو أنه يشعر في رمضان بفرحة خاصة.

"بطلع من الساعة 8 الصبح، طبعًا بكون جايب بضاعتي (الجرجير والبقدونس والنعنع والخس)، بقصها وبجهزها عشان أبيعها، بوصل السوق الساعة 9 أو 10، بضل طول النهار بالسوق لما يئدن المغرب، أحيانًا بكون بعت كل إشي، وأحيانًا بيضل بضاعة بنوزعها لأي حد محتاج على أساس ما تضل لليوم التاني" يقول البائع الثلاثيني مشيرًا بيديه إلى بضاعته.

ويفطر الرجل الثلاثيني في الطريق إلى منزله، حيث يعيش في خان يونس، كونه يلجأ إلى بيع بضاعته في غزة، "لأن البياعين في خان يونس كتار"، حسب قوله.

ويبين أنه يبقى في السوق حتى أذان المغرب، حتى يتمكن من بيع أكبر قدر ممكن من بضاعته، إذ يفضل كثيرون اشتراءها قبل الإفطار بمدة وجيزة.

وخلال النهار إذ يتجول البائع في السوق يحرص على جذب الزبائن بابتسامته، يقول: "خلال النهار تكون درجات الحرارة مرتفعة، الدنيا صيف، لكن بتحمل وأنا واقف في السوق، عشان قوت يومي وأولادي، عشان آخر اليوم أجبلهم أكل وشرب وأي حاجات تانية بدهم إياها".

واضطراره إلى البقاء في السوق حتى أذان المغرب يعني أنه لا يتمكن من الوصول إلى منزله إلا بعد مدة من موعد الإفطار.

لكن لما كانت "لمة العيلة" حول السفرة لا يمكن أن تُعوَّض، خصوصًا في رمضان؛ فإن أسرته المكونة من زوجته وأبنائه الثلاثة تنتظره، وتكتفي بتناول بعض التمر والماء حتى وصوله من عمله.

"اللمة إشي ممتع للغاية، خصوصًا بتلاقيها في رمضان إشي زي عيد، ولما يكون الإنسان في الشغل طول النهار ويروح يلاقي أولاده بيستنوا فيه بتكون الفرحة كبيرة زي كأنها عيد".

وبعد صمتٍ وجيز أفصح "أبو خاطر" عما يجول بخاطره فيما يخص مائدة الإفطار، عادًّا سفرة رمضان التي تخلو من المخللات والسلطات كسلطة الباذنجان والخضار "ناقصة".

أما أشهر الأكلات الرئيسة التي يعتاد الغزيون تناولها في رمضان فيتفق مع القائلين إنها "الملوخية"، لكنه لا ينفي أن كل إنسان يختلف عن الآخر في تفضيل طعام بعينه.

وبأداء صلاة المغرب، وانتهاء الإفطار يكون الموعد قد حان ليتجهز لأداء صلاتي العشاء والتراويح.

ويختلف "أبو خاطر" عن كثيرين في كونه يذهب إلى النوم بعد صلاة التراويح، إذ إن كثيرين يسهرون حتى السحور وصلاة الفجر.

وعلى ذكر السحور يشير إلى أن طعامه المفضل على مائدة السحور هو الفول: "كل يوم فش (لا يوجد) إمكانية، لازم يكون في فول، بيخليني أصبر طول النهار على الجوع، والخيار والجبنة والبيض مقلي أو مسلوق".

وبعد السحور يصلي "أبو خاطر" الفجر، ويرجع إلى النوم ثانية، حتى يستيقظ عند التاسعة ويبدأ يومًا جديدًا في بيع مزروعاته.