مرارة الغربة تسلبها فرحة رمضان في هولندا

عائلة نطط تتخذ المطبخ وسيلة للتعريف بقضية شعبها

...

غزة - عبد الرحمن الطهراوي

لا يكاد يمر يوم من شهر رمضان إلا وتكون منتجات المطبخ الفلسطيني المتنوعة حاضرة على مائدة إفطار عائلة نطط المغتربة منذ عامين في هولندا، لإيمانها بأهمية نقل التراث وتعريف أفراد الجاليات العربية والأوروبية بالموروث الوطني، الذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي سلبه وتشويه معالمه.

نقص بعض المكونات الأساسية اللازمة لإعداد وتجهيز المأكولات الفلسطينية، من الأسواق والمراكز التجارية الموجودة في مدينة "بورخم" الهولندية حيث تقيم عائلة نطط؛ لا يقف حائلًا أمام الزوجة التي تزين سفرة الإفطار بأكلات وحلويات فلسطينية ذات مذاق رفيع.

وتتجهز عائلة نطط لاستقبال شهر رمضان بصناعة الزينة والفوانيس المزخرفة والأهلة الملونة يدويًّا، إلى جانب تعليق آيات وأحاديث تحض على الصيام والعبادة على جدران المنزل، إضافة إلى ذلك يخصص الزوجان (محمد وياسمين نطط) بضع ساعات للحديث إلى أطفالهم خالد ونور وأمير عن مكانة شهر رمضان.

وما إن تعلن المساجد والمراكز الإسلامية في هولندا ثبوت رؤية هلال رمضان حتى تبدأ تتوالى على الزوجين رسائل واتصالات المهنئين بقدوم الشهر الفضيل عبر الهواتف المحمولة ومنصات التواصل الاجتماعي، فيسترجعون في الوقت نفسه ذكرياتهم بغزة والأجواء الرمضانية التي يتميز بها القطاع.

ويقول نطط لـ"فلسطين: "نحاول أن نشعر أطفالنا بأننا دخلنا في أوقات مباركة محببة إلى الله، فندعوهم إلى الإكثار من قراءة القرآن والمشاركة في صلاة التراويح، ونبين لهم أهمية الصيام دون أن نجبرهم أو ندعوهم له".

ويضيف: "أيامنا الرمضانية لا تتميز من غيرها، بسبب ضيق الوقت، وعدم وجود إجازات تتيح لنا إنجاز بعض الأعمال المميزة التي تحيي فينا أجواء الشهر الفضيل وروحانياته المفقودة في الغربة"، مشيرًا إلى أن ساعات الصيام في هولندا تصل إلى نحو 20 ساعة، ويبلغ عدد المسلمين قرابة مليون نسمة.

ويتابع نطط: "يخلد أبنائي إلى النوم عند الساعة الثامنة استعدادًا إلى الذهاب مبكرًا إلى رياض الأطفال والمدرسة، تبدأ زوجتي بعد ذلك في إعداد الطعام إلى أن يحين موعد الإفطار عند الساعة العاشرة ليلًا، ثم يتجهز الجميع لأداء صلاتي العشاء والتراويح جماعة في إحدى باحات التجمع السكني، كون أقرب مسجد يبعد عنا 17 كيلو متر".

ولأن ساعات الصوم في هولندا طويلة، والوقت الفاصل بين موعدي الإفطار والسحور قصير؛ يبقى الزوجان مستيقظين عادة، شاغلين وقتهما بقراءة القرآن وقيام الليل، بجانب الخروج في زيارات إلى بعض الجيران من الجاليات العربية والمسلمة، وتناول الحلويات إلى أن يرفع أذان الفجر.

مرارة الغربة

"كل رمضان في الغربة كأول يوم في هولندا" يختصر خالد الإجابة عن الفرق بين رمضان الماضي والحاضر، ثم يضيف: "منذ اللحظات الأولى لدخول الشهر نستذكر الأهل والأصدقاء، ونتمنى أن يشاركونا في صيامنا وجلوسنا حول مائدة الإفطار، فمرارة الغربة تسلب منا بهجة الشهر الكريم".

وكيف يتعامل غير المسلمين معكم في شهر رمضان؟، يجيب نطط "أغلب السكان يدركون مدى أهمية هذا الشهر الفضيل لنا المسلمين، لذا يحرصون على مراعاة صيامنا بصورة كبيرة"، لافتًا إلى أن أحد المقاهي في المجمع السكني يغلق أبوابه إلى أن يحين موعد إفطار الصائمين.

أما الزوجة ياسمين فتؤمن بعراقة المطبخ الفلسطيني وأهمية التعريف به، وتعلق على ذلك بالقول: "معروف عن شعبنا أنه متمسك بتراثه، فلا مكان للأطباق الأخرى على مائدتي، فطعامي فلسطيني الهوية من المسخن والفتة والمعجنات بأنواعها، والملوخية وشوربة العدس، وأكلة المفتول الشهيرة".

وتضيف ياسمين لـ"فلسطين": "أما الحلويات فهي أيضًا ما تعودت تناوله منذ صغري مع أهلي كالبسبوسة والكنافة والعوامة والبقلاوة، وجميعها أحضرها بنفسي، وفي كل مرة أخبر أطفالي أن هذا ما تعودت تناوله عندما كنت صغيرة مثلكم مع جدتكم وجدكم، فأراهم يقبلون على تناولها بنهم".

رائحة الفسيخ

ومثلما تتميز مائدة إفطار عائلة نطط منذ اليوم الأول لرمضان بهيمنة منتجات المطبخ الفلسطيني عليها؛ تفوح في أول أيام عيد الفطر رائحة السمك المملح (الفسيخ) من مطبخ ياسمين، الأمر الذي يدفع الجيران الأجانب منهم قبل العرب إلى سؤالها عن ماهية هذا الطعام، فتجيبهم الزوجة الغزية بأنه "أكلة شعبية فلسطينية منذ قديم الزمان".

وتحاول ياسمين التغلب على مرارة الغربة بالتواصل الدائم مع أهلها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسؤالهم عن مجريات أيامهم في نهار رمضان وطبيعة فطورهم وجدول زياراتهم وسهراتهم، وتكمل: "التواصل مثل الماء يروي العطش، ولكنه بلا لون ولا طعم ولا رائحة".

ويقف الإغلاق المتكرر وشبه الدائم لمعبر رفح الحدودي، المنفذ البري الوحيد لقطاع غزة إلى العالم الخارجي؛ عائقًا أمام إطفاء حنين عائلة نطط إلى قضاء بضعة أيام من رمضان في كنف العائلة الأم التي تسكن مدينة غزة.