المحررة الزامل: الحرّية قادمةٌ من بوابة المقاومة

...

غزة - يحيى اليعقوبي

هي قصة خطوبة المتأمل فيها يدرك جيدا أنه لا مستحيل في هذه الحياة فالحلم الذي كان يوما وهما بات حقيقة، والخيال أصبح واقعا، ولم يخطر في بال غفران الزامل خطيبة الأسير حسن سلامة ذات يوم أن سجنها واعتقالها، والظاهر فيه شر، هو كل الخير لها، ليكون الباب الذي تدخله لتحقق الحلم الذي عاش في قلبها ونفسها سنوات طويلة وكانت تعده ضربًا من الخيال والوهم والمستحيل واليوم تعيشه واقعا.

"ربما تكون قصتي، نادرة لكنها بالتأكيد حدثت، فقصة أمينة قطب ليست ببعيدة عنا، وهي التي انتظرت خطيبها سنوات طويلة، وكنت كلما قرأت قصتها ظننت أنها من الأساطير، حتى عشت لربما ذات التفاصيل"، بهذه البداية تروي زامل لـ"فلسطين" حكايتها مع الصبر التي كتبت فصولها كاملة داخل سجون الاحتلال في الذكرى العشرين لاعتقال خطيبها..

تتساءل: "ماذا أقول إلى خطيبي الحبيب؟.. هو شقيق الروح وتوأم الفؤاد"، ثم تقول: "اكتب إليك وأنا اليوم شريكة معاناتك، وأعلم جيدا أن السنوات الطوال التي قضيتها في الأسر لم تزدك إلا قوة وصلابة".

بمشاعر الحب تخط رسالتها: "في داخلي الكثير من مشاعر الحب لك ولروحك الصابرة المحتسبة، أكتب لك والأمل يدنو إليك ويقترب، فعتمة ليلك الحالكة يتبعها فجر مشرق جميل".

لم تنته الرسالة بعد، إذ كتبت أيضا: "أكتب إليك اليوم والعهد بيننا كبير، فأنا بكل الحب انتظرك بكل الأمل أرقب موعد مجيئك، وبكل الصبر والرضا احتسب كل سنوات البعد والحرمان."

في داخل الأسر، فُصول الحكاية كتبها الأسير بالصبر والتحدي للاحتلال، تستذكرها: "عاش حسن فترة طويلة في زنازين العزل الانفرادي، ويستذكر دائما قصة ذاك الشاب الأسير والذي قد أصيب بمرض نفسي، فبدلا من أن ينقل إلى مصحة خاصة تم نقله إلى زنازين العزل الانفرادي".

وتوضح: "كان ذلك الشاب بجانب الأسير سلامة، وكانت تُمارس عليه أبشع وسائل التعذيب النفسي بدلا من علاجه، كان عنيفا جدا، حتى أُخرج من السجون لشدة عدوانيته وعنفه، وأرادت إدارة السجن التخلص من حسن عبر هذا الأسير فنقلته إلى زنزانته".

ولكن كانت المفاجأة كما تسردها الزامل: "استطاع حسن ترويض هذا الشاب ومعاملته كالطفل الصغير، وأشرف على إطعامه ونظافته، وتحول هذا العدواني إلى طفل صغير يتجاوب بكل سهولة مع حسن، وخابت حينها أماني إدارة العزل وحينما رأوا ذلك قاموا مباشرة بنقله من زنزانة حسن إلى زنزانته الانفرادية الأخرى".

ماذا تعني لك 48 مؤبدا؟.. سؤال أصبحت إجابته "في مهب الريح" كما تقول الزامل، مضيفة: "حكم هذا المحتل لن يدوم، فهو إلى زوال".

بأملٍ بإنجازات المقاومة، تتابع: "مع كل عملية أسر لجنود الاحتلال تتجدد الآمال في نفوس الأسرى وعائلاتهم، ويغدو الفرج أقرب، لأننا ندرك جميعا أن حريتهم تكون عبر بوّابة المقاومة، وليس بأي طريق أخرى".

لا تفر ذكريات الأسر من يومياتها، فتواصل: "منذ خطوبتنا في العام 2010، حرص حسن على أن يشاركني كل تفاصيل الحياة بقدر ما يستطيع، متحديا بذلك أسره وسجنه وزنزانته، وبإرادته وعزيمته استطاع أن يتحدى ذلك، فلقد أسمعني صوته وأنا التي لم يسبق لي سماعه".

استطاع الأسير سلامة الاتصال بخطيبته من داخل زنزانته الانفرادية، بمساعدة من أسير مدني، ومن خلاله استطاعت الزامل أن تسمع صوته، رغم أنه كان يحدثها من داخل زنزانته والهاتف بعيدٌ عنه.

ما زالت تكمل تفاصيل هذه الجرأة: "تمكنت لأول مرة أن أسمع حتى ولو صدى صوته، فكانت من أجمل المواقف في بداية خطوبتنا، وتوالت المواقف الجميلة بيننا، ولا زلنا نسرق من عمر هذا المحتل هذه اللحظات وهذه المواقف رغما عنه، ونعيش حياتنا رغم البعد كأجمل ما يعيش الخاطبون ضمن ظروفنا الخاصة".

ما بين (17/5/1996) و (17/5/2016) عشرون عاما أمضاها الأسير سلامة داخل السجن، فقد حُكم بالسجن لمدة 48 مؤبداً إضافة إلى 20 عامًا، بعد اتهامه بالمسئولية عن تنفيذ عدة عمليات بطولية أدت إلى مقتل 48 إسرائيليا، فيما عرفت بعمليات "الثأر المقدس" بعد استشهاد القائد يحيى عياش.

بعد قضاء فترة التحقيق، تم نقل الأسير سلامة إلى زنازين العزل الانفرادي، وأمضى فيها ما يقارب 15 عاما على مرحلتين، الأولى من العام 1997-2002، والثانية من 2003 -2012، وخرج من زنازين العزل بعد خوض الأسرى إضراب الكرامة، ويقبع حاليا في سجن نفحة الصحراوي.