​الانتخابات الإسرائيلية وبداية سقوط الملك..

ما إن أعلنت نتائج الانتخابات الإسرائيلية حتى بدأت تتجلى تعقيدات المشهد الإسرائيلي أكثر فأكثر, إذ تبين أن لا أحد من قادة المُعسكرين تمكن من حسم الأمر والحصول على مقاعد كافية تُؤهله لتشكيل الحكومة دون الحاجة لمشاركة الآخر أو الخضوع لابتزازات الأحزاب الصغيرة، رغم إعادتها للمرة الثانية خلال أشهر, ما يعني أن فوز زعيم حزب "أزرق أبيض" كان فوزًا باهتًا ونسبيًّا؛ لكن خسارة نتنياهو ليست كأي خسارة لأنها تعني بداية سقوط الملك الذي سيتبعه سقوط مواليه ودخولهم في متاهات وانقسامات, حتى إن تمكن من تشكيل الحكومة لاحقًا فستبقى خسارته أمام خصمه تحولًا كبيرًا في الحلبة السياسية, فهي المرة الأولى التي يخسر فيها الانتخابات منذ سنوات, لاسيما أنه نجح في بناء هالة من القدسية حوله وحول حزبه, ولم يتخيل أن لحظة النهاية قد تقترب وأن سحره سيبطُل رغم تمرسه وإبداعه في ممارسة أساليب الخداع والتضليل, وإنه حرص على ضم حزبي "كولانو وزهوت" إلى حزب ليكود لتجنب الوصول إلى هذه المرحلة ولضمان حصوله على 40 مقعدًا تمكنه من الحفاظ على مكانته رئيسًا للحكومة, لذلك إن خسارته لها طعم خاص ومذاقات ثلاث:

خسارة شخصية:

فقدانه هالة القدسية ولقب الملك الذي وُصف به بعد أن تجاوزت مدة حكمه مدة حكم مؤسس "الدولة" دافيد بن غوريون, وما قد يترتب عليه من تخلي المقربين عنه، وتجرؤ منتقديه على الكشف عن معلومات تؤكد ضلوعه في قضايا الفساد، ما سيزيد من فرص تقديم لائحة ضده ودخوله السجن سنوات طويلة, ويُقلص إمكانية عودته للحلبة السياسية لاحقًا، إن لم نقل سيقضي على مستقبله السياسي نهائيًّا.

خسارة حزبية: نجاح نتنياهو في تحقيق الفوز لحزب ليكود مرة تلو الأخرى ساهم في ترسيخ مكانته زعيمًا أبديًّا مُلهمًّا لا ينبغي منافسته، ما أتاح له فرصة السيطرة على مفاصل الحزب وتصفية أي شخصية تعترض طريقه كسيلفان شالوم وغيره؛ بل إن أعضاء المركز أبدعوا في التملق له والاستماتة في الدفاع عنه, لكن خسارته في الانتخابات وإمكانية فشله في تشكيل الحكومة القادمة ستضعان الحزب أمام معضلة حقيقية في كيفية التعايش مع الخسارة والتخلي عن مقاليد الحكم، بعد أن تمتع بمزاياه أكثر من ثلاثة عقود, فضلًا عن إمكانية حدوث انقسام داخل الحزب بين تيار يدعو للتمسك به وتيار آخر يعمل خلف الكواليس بصمت وينتظر الفرصة السانحة لإزاحته عن زعامة الحزب.

خسارة معسكر اليمين: خسارة نتنياهو تُمثل خسارة لمعسكر اليمين بأكمله، خصوصًا الأحزاب الحريدية التي ربطت مصيرها بمصيره وقدمت له الولاء مقابل الامتيازات, ما يعني أن فشله في تشكيل الحكومة سيضعهم أمام خيارين أحلاهما مر, فإما المشاركة في حكومة بديلة تحت رئاسة منافسه مقابل الحصول على الامتيازات نفسها، وإما الجلوس في مقاعد المعارضة وتحمل عواقبه السلبية على مؤسساتهم الخاصة، وخططهم المستقبلية بشأن يهودية الدولة وحرمة السبت والتهرب من أداء الخدمة العسكرية.

هذه الخسارة وما قد يترتب عليها من فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة تدل على تراجع المنظومة السياسية في (إسرائيل)، الذي تمثل في بداية أفول نجم حزب العمل الذي أسس الدولة، واضطراره أخيرًا إلى ضم حزب "جسر" لكي يتمكن من تجاوز نسبة الحسم والحيلولة دون غيابه بالكامل عن الحلبة السياسية، وما تلاها من عدم قدرة حكومة نتنياهو على إكمال مدة ولايتها القانونية عدة مرات، وفشلها المتكرر في الحصول على عدد كاف من المقاعد لتشكيل حكومة مستقرة غير قابلة للابتزاز من أحزاب صغيرة, ومن الملاحظ أن هذا التراجع يتزامن هو وتراجع قوة الردع الإسرائيلية على الجبهة الشمالية أو الجنوبية، وما يحمله من مؤشرات قد نرى ملامحها في المستقبل القريب؛ وتبقى الحقيقة التي لا جدال فيها أن غزة كان لها دور رئيس في حل حكومة نتنياهو السابقة، وما ترتب عليه من إجراء انتخابات مرتين خلال عام واحد، لتُذكرنا بما قاله ألون بن دافيد: "لن أستغرب إن تمكنت غزة من الإطاحة بنتنياهو كما أجبرته على النزول عن المنصة في أسدود".