فلسطين أون لاين

10 سنوات على استشهاده

فضل شناعة.. "فارس الصورة" الذي شاهد الغروب الأخير من الكَفَن

...
غزة - رنا الشرافي

هو "فارس الصورة" و"شهيد الحقيقة" الذي دفع حياته ثمنًا لكشف وجه الاحتلال البشع الذي لم يرحم طفلًا ولا شيخًا ولا مسجدًا، لتصبح كاميراته "الشاهد" الذي لا يكذب وصاحبها "الشهيد" الذي "لن يموت".


فضل شناعة، مصور تلفزيوني لوكالة رويترز العالمية للأنباء، كان شابا يافعا (24 عاما) عُرف بين أهله وأصدقائه بحسه المرهف، وشغفه بالطبيعة وجمالها، وحبه لرفيقة دربه التي لازمته حتى "النفس" الأخير.. الكاميرا.


حكايته مع البحر وغروب الشمس قديمة، وصلته بهما وثيقة وعميقة، فكلما وجد لنفسه متسعًا من الوقت لأخذ استراحة محارب -إن جاز التعبير- غادر الرِفقة متجهًا إلى البحر، ليشاهد الغروب مختليًا بنفسه، فتلك اللحظة لا تحتاج لغير الهدوء القاتل لضجيج الحياة، حتى تصحو المشاعر النبيلة المغروسة في نفس كل إنسان بالفطرة.


وهو كمصور ليس كأي شخص عادي، فهو دائم الحرص على توثيق المشهد، ورفيقته


–الكاميرا- معه تساعده في ذلك.. أحب الصيادين ووثق "مغانمهم" البسيطة.. وبكى يومًا سلحفاة نادرة التقط لها صورة بين يدي صياد قبل أن يذبحها الأخير لغرض علاجي وتمنى لو أبقاها حيّة.. فكان مرهف الحس، مبدع الصور، يحيك مما حوله أجمل مشهد، حتى غدا ذات يوم هو المشهد نفسه.


ولشدة حبه لمشهد الغروب رفض عمه "شمس" -الذي كان بمثابة والد ثانٍ له- أن يترك جثمانه يوارى الثرى دون أن يشاهد الغروب الأخير له في هذه الدنيا، الغروب الذي لطالما شغفه حبًا وترقبًا لتلك اللحظة التاريخية المتكررة.. لحظة أن تسدل السماء ستارتها الحمراء بينما غزة على موعد مع ليلةٍ جديدة من ليالي الحصار.


اغتالوا الكاميرا

استشهد "شناعة" في 16نيسان/أبريل 2008، أثناء تأدية عمله في منطقة جحر الديك الواقعة في شرق المحافظة الوسطى لقطاع غزة، بقذيفة صوبتها مدرعة احتلالية نحوه لتمنع كاميرته من توثيق عدوان الاحتلال على الأطفال والمساجد في غزة، ليصبح "فضل" الشاهد عليهم هو الضحية.


عن ذلك اليوم يتحدث فادي شناعة –صديق فضل وابن عمه وزميل مهنته- قائلًا: "يوم استشهاده، هاتفني فضل ومازحني متسائلًا ماذا سيحدث إن ارتقى أحدنا شهيدًا.. فقلت له أنت مثل القطط بسبعة أرواح وقد تعرضت للإصابة سابقًا ولم تغادر الميدان، فقال لي فضل: ربما تكون هذه المرة هي الأخيرة".. وأردف قائلًا: "لم أكن أتخيل أنه يودعني".


يومها خرج فضل شناعة إلى المنطقة المستهدفة بعدما ورد نبأ عن توغل لقوات الاحتلال الإسرائيلي في منطقة جحر الديك، وأنها قصفت أحد المساجد هناك، وارتكبت مجزرة بحق السكان وكان معظمهم من الأطفال.


هرع "فضل" إلى المكان برفقة زميله وفا أبو مزيد، لينقل صورة العدوان الإسرائيلي إلى العالم أجمع عبر وكالة رويترز العالمية التي يعمل لصالحها، وهو ما كان له، فرصد بكاميراته مشاهد القتل والدمار التي صنعتها آلة الحرب الإسرائيلية، ثم تحرك بسيارته إلى حيث يمكنه تصوير الآليات الصهيونية وهي تستهدف الآمنين العزل من الفلسطينيين، قبل أن يعود إلى مكتبه.


ترجل "فارس الصورة" من سيارته ووقف بجوارها ليلتقط صور المشهد الأخير في حياته، ونظرًا لخطورة الموقف وتجمهر الصبية حوله ليشاهدوا هذا الصحفي الذي يرتدي درعًا كبيرة وبيديه معدات تصوير ضخمة، وفي كل مكان طبعت كلمة (press) وكلمة (T.V)، طلب من مساعده أن يبعدهم وبالكاد فعل عندما وقعت الفاجعة.


قذيفة مدرعة حربية احتلالية، حددت هدفها الذي لم يبعد عنها سوى كيلو متر واحد فقط، كاميرا يحملها صحفي، تنقل انتهاكاتهم بحق البشر والحجر في بث حي لا يمكن تكذيبه، أو تضليله والتنصل من تبعاته.


تلك القذيفة أودت بحياة "فارس الصورة" فضل شناعة، ابن مخيم خانيونس، ذلك المخيم الذي لجأت له عائلته المهجرة من قرية تل الترمس التي احتلتها العصابات الصهيونية سنة النكبة 1948.


لم تكن تلك الإصابة هي الأولى التي تعرض لها "فضل شناعة" بل سبقتها إصابة أولى قبل عام ونصف العام من تلك الحادثة، عندما استهدفت قذيفة إسرائيلية سيارة وكالة رويترز، لكن تلك الإصابة لم تفلح في جعله يتوانى عما بدأه منذ دراسته الثانوية.. التصوير الصحفي.


ارتقى "فضل" شهيدًا، غاب المصور، وغاب الصديق، وغاب المنقذ الذي كان يترك كاميراته جانبًا إن تأخر المسعفون ليقوم هو بنقل المصابين، كما غاب من الأسرة الصحفية فردًا ترك فراغًا حتى يومنا هذا.


فاجعة

لم يستطِع الصحفيون استيعاب حجم الفاجعة التي لحقت بهم، فصديقهم الودود، جميل الحديث، طيب المقام، لم يعد، غابت ابتسامة فضل الذي كان يحب السباحة كثيرًا، وغاب معه مشهد الغروب الذي أبى عمه "شمس" إلا أن يريه إياه حتى وإن كان داخل كفن!


عن تلك الحادثة يقول "فادي": "بالفعل إن عمي شمس كان يعتبر فضل بمثابة أحد أبنائه، وكان دوما يقول له إن الشجاعة يا عم قد تقتل صاحبها وأتمني ألا تكون أنت الخبر.. وبعد استشهاده أحضر عمي شمس جثمانه إلى شاطئ بحر غزة ليشاهد الغروب وهو يقول هذه لحظة النهاية يا عم.. هذا وقت الأصيل الذي كنت تحبه، وها هو البحر، ثم أخذه على الفيلا ليبكيه هناك وهو يودعه ويقول له يا عم هي آخر مرة أدخل فيها الفيلا"، واليوم وبعد مرور عشر سنوات على استشهاد فضل لا تزال تلك الفيلا مهجورة، أما عمه "شمس" فقد غادر قطاع غزة