قائمة الموقع

كريم وماهر يونس صديقا الطفولة رفيقا الأسر

2018-04-20T08:06:41+03:00

كسا الشيب رأسيهما، وبدت حركتهما بطيئة وهما ينظران من نافذة السجن الاحتلالي الفولاذية، ويحاولان استعادة ذكريات طفولتهما ومطلع عمرهما الذي سلبهما الاحتلال سنوات طويلة منه.


التقيا وتفرقا عدة سنوات قبل أن يلتم شملهما منذ نحو ثلاثة أشهر في سجن "النقب"، هما أقدم أسيرين فلسطينيين: "كريم وماهر" يونس، دخلا عامها الـ36 بالأسر.


"كان صوته خافتًا، وكلامه بطيئًا"، والحديث لنديم يونس شقيق الأسير كريم يونس، الذي يزوره مرة واحدة كل شهر مدة 45 دقيقة، ليخبره أن ماهر يونس (وهو أحد أقاربه، قضيا معًا سنوات الطفولة والشباب قبل اعتقالهما بالتهمة نفسها) يوجد معه في السجن الاحتلالي نفسه، ويوصيه بالاطمئنان على والدته الثمانينية، ويرسل إليها السلام لعدم مقدرتها على زيارته، بسبب بعد السجن، والمشقة التي تجدها خلال رحلة الزيارة، فضلًا عن إجراءات الاحتلال التي يتبعها بحق الأهالي.


كريم يونس ولد في 24 ديسمبر 1956م بقرية عارة في فلسطين المحتلة سنة 1948م، ودرس المرحلة الابتدائية فيها، ثم انتقل إلى دراسة الثانوية العامة، وواصل دراسته في قسم الهندسة الميكانيكية بجامعة (بن غوريون).


وفي السادس من يناير 1983م بينما كان يحضر إحدى المحاضرات التعليمية في الجامعة أُسر، ليبدأ منذ ذلك اليوم رحلة أسر ربما لم يتوقع أحد وقتها أن تستمر عقودًا من الزمن، وفق إفادة شقيقه.


واتهم الاحتلال الأسير يونس بقتل الجندي في جيش الاحتلال أبراهام برومبيرغ عام 1981م، وبعد 27 جلسة محكمة على مدار سنة كاملة صدر قرار بإعدامه شنقًا، بحسب قول شقيقه الذي خيم على صوته نبرة حزن، متابعًا لصحيفة "فلسطين": "إنه ارتدى ملابس الإعدام 75 يومًا".


رفضت العائلة التسليم لقرار محكمة الاحتلال، وبدأت تسعى إلى إفشال وإلغاء القرار، وبعد متابعة وجهد كبير استؤنف الحكم، وقررت المحكمة الاحتلالية إصدار حكم بالسجن المؤبد المفتوح مدى الحياة.


وينتظر أفراد العائلة على أحر من الجمر إطلاق سراح كريم، بعد أن حدد الاحتلال مدة الحكم بالسجن (40) عامًا، وبذلك تنتهي مدة الاعتقال في السادس من يناير 2023م.


وبحزن قال: "في الذكرى الـ30 لأسره _وكان يقبع في سجن (هداريم)_ تقدم إليه عدد من الأسرى لتعزيته بوفاة والده، ولم يكن يعلم ذلك، ليخبرهم مازحًا: "ماذا بكم؟!"، ليخربوه بأنهم سمعوا عبر الإذاعة خبر وفاة والده، ليسقط على الأرض مغشيًّا عليه، وبعد أن استيقظ خط قصيدة رثاء لوالده الذي لم يتمكن من رؤيته والمشاركة في تشييع جنازته".


قضى كريم يونس ما مضى من اعتقاله ينقل من سجن إلى آخر، لكن لم يترك مكانًا هناك إلا ووضع فيه بصمته، وحصل أخيرًا على ماجستير في علوم سياسية وتاريخ الشرق الأوسط، ويدرس الأسرى في سجون الاحتلال، ويحاول توجيههم وحثهم على استغلال سنوات السجن في الدراسة.


تمكن يونس رغم محاولة الاحتلال النيل من طموح وأحلام الأسرى من إصدار كتابين، أحدهما بعنوان: "الواقع السياسي في (إسرائيل)" عام 1990م، تحدث خلاله عن الأحزاب السياسية جميعًا في كيان الاحتلال، والآخر بعنوان: "الصراع الأيدولوجي والتسوية" عام 1993م.


أضاف شقيق الأسير كريم يونس: "عام 1985م بعد عامين من اعتقال كريم أدرج اسمه ضمن صفقة التبادل التي أبرمتها الجبهة الشعبية -القيادة العامة مع الاحتلال الإسرائيلي، ولكن أنزل من الحافلة وأعيد إلى السجن آنذاك، وتلقينا وعدًا من منظمة التحرير بالعمل على تحريره، ومنذ ذلك الحين نحن ننتظر إطلاق سراحه".


ويصر الاحتلال على عدم إطلاق سراح هذا الأسير، بحسب ما ذكر أخوه، الذي يلفت إلى أن تجزئة الأسرى القدامى منذ ما قبل اتفاق أوسلو على دفعات كانت تقلق كريم، الذي كان على علم أن الاحتلال سيبتز السلطة، مشيرًا إلى أنه بعث برسالة وقتها إلى قيادة السلطة تحذرها من التجزئة.


ورفض الاحتلال الإسرائيلي الإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل اتفاق أوسلو، الموقع سنة 1993م مع منظمة التحرير الفلسطينية.


ولا يزال عميد الأسرى الفلسطينيين كريم يونس بانتظار تحرره من خلف قضبان سجون الاحتلال، والتقاء أشقائه: (فاتن، وهالة، وحكيم، ونديم، وتميم).


مشقة وعناء

بدورها بينت وداد يونس (83 عامًا) والدة الأسير ماهر يونس الذي ينحدر من قرية عارة أنه ولد في التاسع من كانون الثاني (يناير) 1958م، وله أخ، وخمس شقيقات.


وقالت: "اعتقل في 18 كانون الثاني (يناير) 1983م، أي بعد نحو أسبوعين على اعتقال ابن عمه كريم على خلفية مقاومة الاحتلال وقتل الجندي برومبيرغ".


أضافت المسنة يونس لصحيفة "فلسطين" بحرقة: "إنه بعد 27 جلسة من المحاكمات حكمت عليه محكمة اللد العسكرية الاحتلالية بـ"الإعدام شنقًا"، وخفف هذا الحكم لاحقًا إلى السجن المؤبد، وفي أيلول 2012م حدد الاحتلال حكم المؤبد بـ40 عامًا".


"لم يستسلم ماهر للسجن والسجان، والتحق بالجامعة المفتوحة قسم اللغات، وكان قريبًا من الحصول على اللقب الجامعي، وكان قد تبقى له أربع مواد فقط، فمنعته إدارة السجون الاحتلالية من إكمال دراسته، في محاولة لإفشال مساعيه وقتل روحه المعنوية" والقول لوالدته.


حُرم ماهر زيارة ذويه من الدرجة الثانية، طوال سنوات الأسر، بقرار من محكمة الاحتلال المركزية في الناصرة، ورفض التماس تقدم به لرؤية والده وهو على فراش الموت، ليتوفى دون أن يراه، وفق حديث والدته التي توقفت عن الكلام لتستجمع أنفاسها والدموع تنسكب على وجنتيها.


رجعت بذاكرتها إلى الوراء عقودًا، قبل أسر نجلها الذي كان محبًّا لجيرانه وسكان الحي ويشاركهم في أفراحه وأتراحهم، طيب القلب محبًّا لأفراد أسرته، حريصًا على زيارة الجميع.


وأشارت إلى حجم المشقة والعناء اللذين تتكبدهما خلال زيارتها إلى نجلها، كمنع الزيارة، أو تأجيلها عند وصولهم إلى بوابات السجن الاحتلالي، وتفتيشهم العاري والمذل، مبينة أن كبرها في السن حد حركتها ومنعها من زيارة نجلها، لبعد مكان أسره.


قالت: "سنوات الأسر غيرت ملامح وجه ماهر من شاب صغير صاحب ملامح شقراء إلى هرم، بسبب سنوات السجن وإجراءات الاحتلال الممارسة بحقه"، متمنية أن يأتي اليوم الذي يطلق فيه سراحه وتنتهي سنوات اعتقاله، لتزوجه وترى أطفاله قبل أن توافيها المنية.


وينتظر 48 أسيرًا مضى على أسرهم أكثر من 20 سنة متواصلة تحررهم من خلف قضبان الاحتلال، والتقاء أفراد أسرهم.

اخبار ذات صلة