لم تمنع أشعة الشمس الحارقة في ساعات الظهيرة، الحاجة أم محمد أبو لوز من التنقل بهمة ونشاط عاليَيْن بين صفوف المشاركين السلميين في فعاليات مسيرة العودة الكبرى وكسر الحصار قرب موقع أبو صفية، شمال قطاع غزة، كي توزع عليهم وجبات غذائية أعدتها بنفسها داخل بيتها في بلدة بيت لاهيا.
ومنذ انطلاق أولى فعاليات المسيرة، نهاية الشهر المنصرم، تزامناً مع إحياء الفلسطينيين الذكرى الـ42 ليوم الأرض، سخرت أبو لوز وقتها بكل يوم جمعة من المسيرة لدعم المشاركين قدر المستطاع، تارةً بتوزيع المياه، وتارة أخرى بتوزيع الكمامات الواقية من الغازات الخانقة التي يطلقها جنود الاحتلال، وأخيراً بالجمعة الثالثة كانت توزّع طعام الغداء.
وقبل أن يدق عقرب الساعة العاشرة صباحاً، وصلت الحاجة أبو لوز (63 عاماً) برفقة ستة من أحفادها إلى مخيم العودة قبالة السلك الفاصل مع الأراضي المحتلة عام 1948، لتشرع فور وصولها في تعبئة الوجبات الغذائية المكونة من الرز وخليط من الخضروات واللحم داخل علب بلاستيكية استعداداً لتوزيعها على المتظاهرين.
وفي لحظة جلست بها أبو لوز لأخذ قسط من الراحة، قالت لصحيفة "فلسطين": "هذا أقل واجب ممكن تقديمه لأبنائي الشباب، الذين يضحون بدمائهم من أجل عودتنا إلى الأرض.. أنا هنا منذ الصباح ولن أعود إلى بيتي حتى يعود الشباب إلى منازلهم".
وتؤكد الحاجة الستينية أن الذي دفعها لإعداد ما يزيد عن 500 وجبة بيديها، هو حبها لكل شيء يقربها من أرض فلسطين، وتعبيراً منها عن اشتياقها للعودة إلى بلدتها الأصلية "أسدود"، على الطريق الرئيسة للسهل الساحلي على البحر المتوسط.
وتناوب على توزيع الوجبات الغذائية الحاجة أبو لوز، التي كانت السعادة تغمرها أثناء تنقلها بين المشاركين بخطوات سريعة، إلى جانب أحفادها الصغار، (ملك ومرام وسعيد وقاسم وعلي وسلام)، ليشكل سبعتهم مشهداً فلسطينياً جديداً في مسلسل التلاحم الشعبي الداعم لمسيرة العودة وكسر الحصار.
وتضيف "رغم أن إعداد تلك الوجبات أرقني ودفعني للعمل على مدار يومين في تجهيز مستلزماتها من السوق، إلا أن كل التعب والإرهاق ذهب واختفى بمجرد أن بدأت بتوزيع الوجبات، دعماً للأبطال وعن أرواح الشهداء الذين ارتقوا خلال الأسابيع الماضية".
واستذكرت أبو لوز، أثناء تنقلها بين خيام العودة الحكايات التي كانت ترويها لها والدتها حول الدور التي كانت تلعبه النساء في دعم المقاومين في الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987.
وتقول "كانت جدتي ووالدتي مع نساء الحي يتعاونون فيما بينهم على دعم الشبان والأطفال المنتفضين، إما بتوفير الحجارة لهم كي يقذفونها على جيبات الاحتلال، أو بتوفير الإطارات المطاطية "الكوشوك" لإشعالها، أو بإعداد ما تيسر من طعام داخل بيوت المخيمات.. واليوم جئنا لنعيد ذكريات الماضي".
وتبدي الحاجة الستينية استعدادها الكامل للحضور بشكل يومي إلى مخيم العودة وتقديم ما تستطيع في سبيل دعم المتظاهرين ضد جنود الاحتلال، معبرة عن نيتها توزيع ذات الوجبة خلال الجمعة المقبلة وبكمية أكبر.
وكان من الواضح أن الطفلة "مرام" تحاول إعطاء جميع الأطفال الذين يقاربونها في العمر بعض الوجبات الغذائية المجهزة بأيادي جدتها أم محمد.
وتقول مرام إنه قبل 70 سنة هجر اليهود الفلسطينيين من بيوتهم وطردوهم من أرضهم بالسلاح، وإنها اليوم هنا مع هؤلاء الأطفال كي تطالب بحق العودة، مضيفة "توزيع الأكل صعب جداً بسبب الزحمة والغبرة والدخان، لكنني مبسوطة، وإن شاء الله هأرجع ثاني على المخيم مع جدتي".