لم تكن زوجة الشهيد أسامة قديح (38 عامًا)، تعلم أن ما يفعله زوجها من تأمين بيتٍ لها وأبنائها إلى جانب بيت أهله، استشعار منه بدنو أجله ومفارقة حياتهم.
زوجه المفجوعة باستشهاده "أم مسلمة" تقول لصحيفة "فلسطين": "كنت أسكن في منزل بالإيجار بعيدة عن أهل زوجي، حتى يكتمل بناء منزلي، وقبل سبعة أشهر فقط، أصر أسامة على جلبنا للسكن في منزلنا الذي يخلو من الأبواب والشبابيك وحتى البلاط، فقط لأكون بجوار بيت عائلته".
"كان يقول لي لا أريدك أن تبقى وحيدة، هنا أنتِ في حضن عائلتي وبجوارهم، وإن حصل لي شيء في هذه الدنيا فلن أشعر بالقلق"، هكذا أضافت فسألتها: "هل كان يشعر بدنو أجله؟"، فأجابت:" لم يقلها صراحةً، لكن كل ما كان يفعله بشكل غير علني كان استعدادًا لتلك اللحظة".
الشهيد أسامة، والد لثلاثة أبناء أكبرهم "مسلمة" في الصف الأول الإعدادي، وطفلة تبلغ من العمر سبعة شهور، تمناها شقيقة لأبنائه كما تقول زوجته: "أنا مريضة وكان أسامة يقوم بدوري أحياناً مع الأبناء ومع ذلك أراد أن ننجب طفلًا آخر لعله يكون في هذه المرة فتاة يزورها أشقاؤها في العيد.. ولم يقل أزورها وأشقاؤها في العيد!".
قدر الله وما شاء فعل، ورزق أسامة بالطفلة التي تمنى، ورغم ولادة زوجته المريضة وتعبها أصر على نقلها لمنزلهم غير المكتمل لتكون في كنف أهله، ورغم حداثة مكوثهم في المنزل تقول زوجته: "له في كل ركن وحجر ذكرى لن ننساها له أبداً".
وعن حادثة استشهاده تقول: "فقدت الزوج والسند، ولربما فقدت الأمان في هذه الدنيا، لكن أسامة ليس أول شهيد يذهب فداء لفلسطين، وفلسطين لا يكفيها مهراً دم شهيد واحد، فهناك عشرات الشهداء مثل أسامة.. وربنا يصبرنا على وضعنا الجديد".
وأشارت زوجة الشهيد إلى أن زوجها ما كان ينفك عن حضور الفعاليات ومرافقة الشبان إلى المنطقة الحدودية، مضيفة: "هو رجل وطني أحب فلسطين وأخلص لها حتى آخر رمق، وكانت فرحته بأخبار المصالحة الوطنية لا توصف".
وعن أطفالها، تقول إنه رغم استشهاد زوجها الجمعة الماضية خلال فعاليات مسيرة العودة الكبرى، إلا أنها شعرت أن ابنها البكر كَبِر فجأة قبل الأوان، فلم يعد ذلك الطفل بل أصبح هو الرجل.
وتابعت: "فهم مسلمة أنه أصبح السند بعد أبيه، وهو يرفض تناول الطعام ما لم أجلس معه على المائدة، ويخبر أشقاءه أنني متعبة ومصابي جلل وأن عليهم أن يتحملوا مسؤوليتهم، وإن احتاجوا شيئًا يلجؤون إليه".
وعبرت عن حجم الفراغ الكبير الذي تركه زوجها في حياتها وحياة أبنائها، وقالت: "الآن الناس حولي يهونون علينا ولكن ماذا بعد ذلك؟"، مشيرةً إلى مزاحه الدائم مع ابنه مسلمة المتفوق دراسياً وسؤاله له "بدك تطلع دكتور يا بابا؟.. فيجيب نفسه: إن شاء الله ربنا ينولك وتكون أحسن مني".