بدراجته النارية ذات الأربع عجلات (تركترون)، لم يأبه لنيران قوات الاحتلال التي أطلقت صوبه مباشرة، بعضها أصاب عجلات الدراجة وأعطبها وبعضها الآخر اخترق بنطاله واستقرّت في قدم شاب كان يقف بجواره، وهو يحاول إنقاذ وإجلاء المصابين من شرق "منطقة أبو صفية" شمال قطاع غزة.
واستشهد 16 مواطنًا وأصيب أكثر من 1400 آخرين بنيران الاحتلال الإسرائيلي، خلال مشاركتهم في مسيرات العودة السلمية الجمعة الماضية.
يوم "دراماتيكي" وحدث لن ينساه إسماعيل العثامنة أمضاه في إجلاء نحو 60 مصابًا من الشباب والنساء، 8 إصابات لم يستطِع أحد الوصول إليها سواه. يروي العثامنة لصحيفة "فلسطين" تفاصيل ذلك اليوم التاريخي في حياة الشعب الفلسطيني، خاصة الإصابات الثماني التي نقلها واحدة تلو الأخرى وهو يقطع مسافة كيلو متر ويعود لينقل الإصابة الأخرى.
والعثامنة من سكان بلدة بيت حانون، وهو أسير محرر مكث عامين في سجون الاحتلال وأفرج عنه عام 2008، شارك في الانتفاضة الفلسطينية الأولى "انتفاضة الحجارة"، ولديه خلفية سابقة عن إخلاء المصابين، ويحرص على المشاركة في تشييع جثامين الشهداء، والفعاليات الوطنية.
يقول عن اصطحاب دراجته النارية إلى حدود غزة: "جئت بها لأني كنت أعلم أن إسعاف المصابين بالمشي سيكون صعبًا نتيجة الأراضي الزراعية، وطبيعة المكان الحدودي نظرًا لعدم وجود طرق معبدة بالأسفلت، وكنت أدرك أنه سيكون هناك إصابات ولن تستطيع الإسعافات الدخول لنقل المصابين من مسافات قريبة، فعزمت على أخذ دراجتي والمشاركة في إخلاء المصابين وهذا أقل واجب أقدمه لوطني".
8 مواقف صعبة
مرت مواقف وأحداث كثيرة على العثامنة في ذكرى يوم الأرض 30 مارس/ آذار الماضي، لا يفر من حديثه مشهد السيدة المصابة الملقاة على الأرض وهي إحدى الإصابات الثماني التي تعرضت لإطلاق النار من جنود وقناصة الاحتلال في نفس الوقت، ويعلق على ذلك الموقف: "عشت موقفًا صعبًا كونها سيدة ولم يستطِع الشبان المتواجدون على الحدود الاقتراب منها، فذهبت إليها".
حينما وصلها كانت ممددة على الأرض تبكي من شدة الألم والإصابة التي تعرضت لها في فخذها، بدأ العثامنة يطمئنها: "اصبري سنصل الإسعافات" واستطاع نقلها.
إحدى أصعب الإصابات التي نقلها العثامنة كانت لشاب تعرض لإصابة بالفم، يقول حول ذلك "كان النزيف كبيرًا.. رعبت من هول الموقف لكنني نقلته".
بعد أن نقل الإصابة السابقة ذهب العثامنة لينقل شابًا أصيب بقدمه، حينما وصل إليه وجد الجزء السفلي وكأنه مفصول عن الجزء العلوي من القدم، يستعيد ذلك المشهد: "حملت هذا الشاب وكنت أمسك بقدمه وأشعر أنها مفصولة، وبعد ذلك في مساء اليوم زرته بالمستشفى، وأجري له عملية جراحية ولم يتم بتر قدمه (...) ربما لو لم أصل لاستشهد من غزارة الدماء النازفة".
قتل بلا رحمة
ما زال العثامنة يتحدث عند تلك المشاهد ويقول: "إحدى الإصابات التي نقلتها التصقت عظمة المصاب بقميصي، وإصابة أخرى لشاب تعرض لإطلاق نار من جنود الاحتلال بالجزء العلوي من القدم فكان الدم ينزف لدرجة أنني لم أستطع وقف النزيف".
في موقف آخر، شاب ملقى على الأرض بعد تعرضه لإصابة بقدمه، يشير للشباب من حوله بنقله لسيارات الإسعاف، لكن لا أحد يستطيع الاقتراب، فأي أحد يقترب يكون عرضة للقنص المباشر، حمل العثامنة روحه على كتفه وتقدم نحوه وأنقذه.
"قتل بلا رحمة وإصابات بمناطق تسبب العجز لأصحابها"، هكذا وصف العثامنة يوم الجمعة الماضية، كان الكثير من الشباب يشاركون في نقل الإصابات، ولكن العثامنة كان يتقدمهم بدراجته النارية بسرعة قصوى إلى أقرب نقطة حتى يتمكن من إخلاء المصابين.
وهذا ما دفع "فلسطين" لسؤاله: ألم تخشَ أن يتم قنصك؟ رد إجابة الواثق المؤمن بقضيته: "سجنت عامين لدى الاحتلال وخرجت عام 2008 وقد أكون مطلوبًا لديهم، لكن انتمائي للوطن أكبر من الخوف على حياتي".
لم ينتهِ من إجابته: "سأستمر بالمشاركة ونقل الإصابات حتى آخر قطرة من دمائي، ومن الآن أهب نفسي مشروع شهادة، وأعتبر نفسي شهيدًا حيًّا؛ لأني على يقين أنني سأنالها والتحق بركب الشهداء فنحن لسنا أفضل ممن ذهب وضحى بنفسه لأجل وطنه".
"كنت جنديًا عند أصغر شاب فلسطيني ويجب أن أضحي من أجل فلسطين" يبدي فخره بما قدمه أول من أمس، بعد أن أشاد بعمله حتى المسعفون الذين كانوا يتواجدون شمال القطاع، واعتمدوا عليه بشكل كبير نظرًا لوجود وسيلة نقل يملكها تمكنه من الدخول بين الرمال والمزروعات ونقل المصابين بأقصى سرعة.