هم شبان في عمر الورد، يافعين، استقوا معلوماتهم عن بلداتهم الأصلية من آبائهم، بل من أجدادهم، فحتى آباء هذا الجيل ولدوا بعد النكبة ليكونوا لاجئين، ومن الشباب من استزاد من المعرفة فرجع إلى كتب التاريخ، أو تعرّف على تفاصيل الجغرافيا في بلدته، ومتّع ناظريه بقليل من الصور المتوفرة لها.
مسيرة العودة قاب قوسين أو أدنى، تتنظر ساعة الصفر لينطلق الفلسطينيون نحو الحدود مع المناطق المحتلة منذ عام 1948، وكل لاجئ ينظر إلى اللحظة التي يعود فيها إلى بلدته الأصلية، فهذا حقّه الذي لا شك فيه، أضف إلى ذلك أن القرارات الدولية كفلت هذا الحق، ففي الفقرة 11 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 جاء أن الجمعية العامة "تقرر وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم ...".
الشبان الذين ينوون المشاركة في مسيرة العودة يوم غد الجمعة، خيّبوا ظنون العدو بأن "الكبار يموتون والصغار ينسون"، فهم وقود كل تحرك يهدف لانتزاع حق العودة، "فلسطين" التقت بعدد من هؤلاء الشباب، وأعدت التقرير الآتي:
راجع على يافا
البداية كانت مع الشاب خليل اليازجي (25 عاما) وهو ابن شهيد وشهيدة، حيث استشهد والداه في الحرب الأخيرة عام 2014، ومن قبلهما توفي جداه، ومع ذلك لا يزال يرغب، بل يُصر على العودة إلى مسقط رأسه في يافا.
عن نيته المشاركة في مسيرة العودة، قال: "سأذهب ومجموعة من الأصدقاء للمشاركة في مسيرة العودة ولن نعود من هناك.. نريد أراضينا"، مضيفا: "حق العودة حق شرعي لنا ويجب ألا نصمت على احتلال أرضنا أكثر من ذلك".
وعلق على مقولة رئيسة وزراء الاحتلال جولدا مائير سابقاً "الكبار يموتون والصغار ينسون"، قائلاً: "كيف ننسى ونحن لاجئين، نعيش حياة اللجوء بينما ينعم الاحتلال في أراضينا".
وأوضح: "العودة حق أصيل غير قابل للنقاش أو المساومة أو المفاوضة عليه.. أنا عائد إلى يافا وهذا ليس قراري فقط بل هو قرار كل اللاجئين، وليس فقط قرار الأمم متحدة".
وفي معرض رده على سؤال "فلسطين": "ألا تشعر بالخوف من رد فعل الاحتلال أو تهجمه على المشاركين في المسيرة؟"، أجاب: "نحن الفلسطينيون لا نخشى الاحتلال، ولو خشيناه لما بقي من فلسطين شبراً واحد ولقبلنا التوطين في أي مكان وانتهت القضية".
وأكّد اليازجي: "سنواصل مسيرة العودة رغم أنف المعترضين، سنعود إلى حيث ننتمي، ولن نكمل حياتنا لاجئين بل مواطنين في أرضنا، ولن نتراجع مهما حاول الاحتلال ترهيبنا".
وعن رسالته للعالم من خلال مشاركته بمسيرة العودة، أضاف: "هذه أرضنا سُلبت منا وسترجع لنا، أما صفقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتسوية والتي عمادها القضاء على الحقوق الفلسطينية، فلن تمر".
وتابع: "الأمريكيون يرفضون استمرار السلطة في محاولة العودة للمفاوضات مع تغيير وسطاء التسوية، ويعلمون أن المقاومة الشاملة هي الخيار الذي يمكننا من استعادة الحقوق دون نقصان، والخيار المؤدي إلى كنس المحتل الإسرائيلي من فلسطين".
إلى "الجية"
الشاب معتصم نصر الله وهو مصمم جرافك، في العقد الثالث من العمر، وينتمي إلى بلدة "الجية" داخل فلسطين المحتلة، ينوي المشاركة في مسيرة العودة يوم غد الجمعة.
وقال لـ"فلسطين": "طبعاً سأشارك في مسيرة العودة الكبرى التي دعت إليها الفصائل الفلسطينية، حيث كنا ننتظر هكذا فعالية منذ سنين طويلة، للتأكيد على حق العودة إلى الأراضي المحتلة في داخل فلسطين التاريخية".
وأضاف: "سوف أعود إلى بلدتي التي سلبها الاحتلال الإسرائيلي في عام النكبة 1948، وقتل من قتل من أهلها وشرد البقية ليمضوا حياتهم لاجئين بلا ديار".
وتابع: "لقد مات الكبار بعد أن سلمونا مفاتيح العودة وشهادات الطابو للأراضي الفلسطينية"، مشيراً إلى أن جده توفي بعد أسبوع واحد من زيارة قريته "الجية" ومشاهدة الصهاينة ينعمون في منزله و"كرم العنب" الذي زرعه بيديه.
وأوضح: "اللاجئ الفلسطيني صاحب حق، ومعه ورقة قوة إضافية، وهي قرار العودة 194، والذي ينص على حق اللاجئ بالعودة إلى أرضه"، مبينا: "لا تراجع عن العودة إلى تلك الأرض التي بقيت حسرة في كبد جدي".
وعن ورسالته للعالم التي يرسلها من خلال مشاركته في هذه المسيرة، قال: "من حقنا نحن شباب فلسطين أن نعيش بسلام على أراضينا الأصلية التي هُجّر أجدادنا منها قسرا، وأدعو العالم وأصحاب الضمير الحي أن يتفاعلوا مع قضيتنا ويناصرونا في استرداد أرضنا المسلوبة، وتطبيق قرار الأمم المتحدة الذي يكفل عودتنا لأراضينا".
لا بديل عن "هربيا"
ابن السبعة عشر ربيعاً، عبد الرحيم الشرافي، تحدث لـ"فلسطين" عن عزمه المشاركة في مسيرة العودة، معللاً رغبته بالمشاركة بأنه يريد أن يثبت للعالم أن أرض فلسطين هي أرض مقدسة وملك للشعب الفلسطيني.
عبد الرحيم الذي لم يزُر بلدته الأصلية "هربيا"، يصر على العودة إليها بسبب ما سمعه من جدته عن تلك البلدة، حيث كانت تروي لأحفادها ذكرياتها فيها.
وقال: "أخبرتني جدتي أيضا عن معناة أهل القرية من قسوة الاحتلال والطرد والتهجير، وأخبرتني كيف كان المحتل يعذب الشباب والأطفال الفلسطينيين بأشد أنواع التعذيب، وينهب خيرات البلاد ويحتل الأراضي ويبني عليها المستوطنات لكي يطمس الهوية الفلسطينية".
وأضاف: "فلسطين كل فلسطين لنا ومن حقنا أن نعود إلى بلداتنا لا أن نبقى لاجئين"، متابعا: "سأشارك في المسيرة لأعبّر عن تمسكي بأرضي، وبهويتي الوطنية.
وواصل: "قلبي وروحي متمسكان بأرضي المحتلة، ولن أقبل بأي بديل عنها، وهذه المسيرة هي تعبير عن رغبتنا في العودة وحقنا في قرانا التي انتزعها الاحتلال الإسرائيلي منا".
وختم عبد الرحيم حديثه بالقول: "كشاب فلسطيني، أوجه رسالتي إلى العالم بأننا سوف نسترد فلسطين، وأنها ستبقى أرضًا عربية حرة".
سنحرر "المجدل"
أم وسام حمدونة، سيدة ثلاثينية من المجدل المحتلة، قالت لـ"فلسطين" إنها ستشارك في المسيرة غدا للحفاظ على حق كل لاجئ فلسطيني بالعودة إلى بلدته الأصلية.
حمدونة وُلدت هنا في قطاع غزة ولا تعرف عن المجدل سوى ما رواه لها والدها وجدها من ذكريات عن تلك البلدة الفلسطينية التي راح أهلها ما بين شهيد وجريح ولاجئ.
عن مشاركتها في المسيرة، قالت: "سأشارك لأثبت للعالم أن هذا المحتل غاشم، يستوطن أرضنا بينما نعيش نحن حياة اللجوء، ولذلك فإنه لا عودة عن حق العودة وأرضنا لن نفرط في شبر منها، وسنحررها".
وتابعت:" ما سمعته من أبي وجدي أرويه لأطفالي، وإن أصبح لي أحفاد قبل أن أعود، سوف أحدثهم عنها فإن تمكن العدو من احتلال الأرض، فلن يستطيع أن يحتل ذاكرتنا".
وفي رسالة تبرقها حمدونة للعالم، قالت: "رسالتي للعالم وللاحتلال الإسرائيلي أن الأرض أرضنا والحق حقنا، والحق يجب أن يرجع لأصحابه، لا سيما أننا قدمنا الكثير من الشهداء في سبيل الوطن ومنهم أخي وزوجي، وإن شاء الله قريبا تتحرر فلسطيننا وتعود إلى أهلها، فشبابنا وأطفالنا قادرون على تحقيق ذلك".
نحو "برير"
الشاب فادي العطل، رئيس الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الشباب، من قرية برير المحتلة عام 1948، أكد لـ"فلسطين" أن مشاركته في يوم الأرض لا علاقة لها بمن عايش فلسطين التاريخية أو عاش على ذكراها.
وقال: "يوم الأرض هو يوم كل فلسطيني حر، يعبر فيه عن تمسكه بأرضه وهويته الوطنية، ففلسطين هي أرض الأجداد والأبناء والأحفاد، واللد والرملة والقدس وغزة والخضيرة هي أراضي فلسطينية بلا جدال..".
وأضاف: "مسيرات العودة هي أحد وسائل الكفاح السلمي للرجوع إلى أراضينا، ومن خلالها نوضح للعالم أجمع بأن عودة اللاجئين حق فلسطيني مكفول بجميع النصوص والأعراف الدولية".
وأكد: "لن ترهبنا تهديدات ترامب أو تهديدات بني صهيون، فنحن شعب الجبارين، ومرابطون على هذه الارض إلى يوم الدين، لذا سنشارك في المسيرات السلمية ونزحف لأراضينا".