فلسطين أون لاين

​إلى التي عشقتها يومًا

(رسالة من السجن بتاريخ 19/5/2011)



أخي رامي: هذه الغرفة ثقيلة الظلّ، مزيجٌ من البؤس المركَّب، الأسرّة الثمانية، ولون الشبّاك، وصُفرة الإضاءة، ورائحة الطعام؛ أشياءٌ مألوفةٌ لا تتغيّر؛ كما هي الحياة هنا، تدور حول نفسها، ومرور السّاعات فيها ثقيل الحِسّ، ويبعث الملالة في النفس.


الروتين هنا سمٌّ يقتل بصمت! يتسلّل إلى الروح والجسد، فتجدهما في فترة قصيرة –معًا– تحت طائلة الشيخوخة، وهذا يجعلك على بعد خطوة من قضاء الأجل!


وهنا أستطيع أن أنام، وآكل، وأجترَّ الأحاديث، وأشاهد التلفاز.. ولكن يحظر علي مقابلة أي امرأة كانت.. فلا وجود للنساء هنا! حتى مضت عشر سنوات، نسيت فيها كيف يتعامل المرء مع القارورة، وأخشى أنني إذا وقعت بين يديَّ واحدةٌ يومًا أن تتكسَّر!


أتعلم يا صديقي؟ ليس من السهل على الإنسان أن يعيش حياته دون نصفه الرّقيق، إنّ ما نتمتّع به من خشونة ورجولة لا يحدّ من تماديها فينا إلاّ اللّطافة والنعومة في شقِّنا الآخر! لقد كدت أنسى وجه المرأة حقيقةً.


قرأنا قديمًا عن وأد البنات ودفنهنّ أحياء، فهل هناك من يعلم اليوم عن وأد الرجال شيئًا؟! نحن هنا في هذه الغرف نُوأد ببطء، أحياءً، وبصمت.


لكنّني، ليلة البارحة، نمتُ متفائلًا جدًا، ومنتشيًا بالأمل، أتصدِّق؟! بعد عشر سنوات في نفس الغرفة المقيتة، التقيتُ بفتاة حسناء، مدهشة، لقد بهرني نورُها. صحيحٌ أنني تألمت لفراقها، لكنّني كنت سعيدًا، فقد وعدتني أننا سنلتقي ثانيةً! كان ذلك على غير موعد منها، ولعلّ هذا زاد اللقاء أبهةً وجمالًا، فهم يقولون: رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد.


لقد نام السبعة من حولي، وأُطفئت الأنوار، وجلستُ وحدي، كعادتي، على السّرير الحديدي. وفي ساعة من الليل، أَنقطعُ فيها عن العالم المحدود حولي، كان ثمّة دبيب بين جلدي ولحمي.. وأحسستُ بخطوات تقترب من ناحية الباب الموصد.


التفتُّ، فكادت تخطف روحي وبصري، وكانت خفقات قلبي تتسارع كأنها تفرّ بقلبي من صدري! لقد رأيتها تقترب منّي بهدوء، تمشي مشية الظبيّ الطليق، لا يخفيها حياء خدّيها المورّدتين. فركتُ عينيّ، وحدّقتُ جيدًا؛ كانت حسناء، فائقة الجمال.


رفعتُ رأسي مسحورًا، مأخوذًا بتلك القسَمات النّورانية، فارتطم رأسي بسقف السرير العلويّ المتصل بسريري الأرضيّ! وها هي تتقدّم حتى صارت منّي على بعد همسة.


كان ثغرها العنّابي المكور يحيطه مجال مغناطيسيّ جاذب. لقد تماسكتُ وتصبّرتُ عشر سنين، فلا ضير بقليل من الصبر في هذا الموقف المفاجئ الحسّاس؛ هكذا كنت أعزّي نفسي، كما أفعل دائمًا.


ابتسمَتْ فتفتّر ثغرُها عن حبّ الجُمان، فأشرتُ بيدي لتجلس إلى جانبي، ففعلَتْ! نظرتُ في عينيها فوجدت سماء صافية يبرق فيها النجم، أحسستُ كأنّي أحلِّق في فضاء بلا حدود، وبلا قيود. كانت روحي ترفرف كأنها تقف على قمّة جبل الخليل، فشممتُ أنفاس الصّبا، وتنشّقتُ عبق الزعتر والحنّون.


لقد رأيتُ في عينيها عيون الماء المترقرقة في وادي القفّ، وجلست بين جفنيها جلسة المساء تحت أشجار الصنوبر في وادي حسكة؛ لقد نقلتْني بسحرها إلى بقعة ضوء تزيل وحشة السنين المظلمة.. إنها فاتنةٌ يا صديقي.


كانت الكلمات تتعثّر على شفتيّ، ترتجّ وتهتزّ كأنها جانّ وتسألها:


- كيف تسلّلتِ بهذه الفتنة إلى هذا القفر الموحش؟ هل أنتِ ضائعة، تائهة! قولي لي من أنتِ؟


- عجيبٌ أنت من عاشق! عشر سنوات وأنت تنتظرني، ترقب مطلعي مع كل شمس، تتصيّدني حتّى في الأحلام؛ ولمّا تمثّلتُ لكَ أنكرت وجودي، وجهلت جمالي؟!


- يا وجه القمر؛ معذرةً.. لقد سبح القلب والعقل في ملكوت البشر والجمال يتأملان هذا الكوكب النديّ الذي نزل إلى سريري.. فمن أنتِ؟


- أنا؟ أنا ضحكة الصباح، وخفقة الجناح. أنا ترنيمة السّحَر، ورقصة السنابل. أنا الصّداح. أنا النسيم الطّلِق يمرح في الحقول، يداعب الزّهر البهيج. أنا عطر الرّبيع، وبسمة القمر. أنا حروف شاعر مقاوم، أنا الرياح!


- لقد زدت في عيني بهاءً وجمالًا، واكتسيت باللفظ حلّةً وكمالًا.. فما اسمكِ؟


- أنا شعاع النور يخترق المدى لتبصر الآفاق من خلف الجدار، أنا الإرادة والقرار!


وهكذا استمرّت تلوذ بالغموض وتحتجب بستار الكلمات، ولكن قلبي لا يزال يبوح بالخفقات يغريه الجمال. لقد احترت في أمرها، وعجبتُ ما أصنع؟.


حديثها جذّاب، لكنّ جاذبية محيّاها المزعفر يغري عينيّ، ويشدّ نفسي ويحرقها لتذوب حُمرةً عليه. تلفَّتُّ حولي خشية الرّقيب، وإذا أنا وحدي لا أحد حولي! فرُحتُ أسرق المسافة بيننا، فعلى قُربها منّي؛ غير أني أرى بيني وبينها أسوارًا وجدرانًا، وأقفالًا وأبوابًا موصدة. كدتُ أحترق من نار الهيام بها، وزاد لوعتي واحتراقي جهلي بها. ماذا تخبّئ لي في قلبها؟ كيف تنظر إليّ؟ أعندَها من الشوق والتّوق ما عندي؟! أتراها تحسّ بحرارة الحبّ في وقدة عينيّ؟ أتشعر بأنفاسي الملتهبة؟ أتشمُّ عبق الوجد في حروفي وأشعاري؟ لا أدري! ولكنّي اتخذت قراري، وسأفعل ما يفعل مثلي حين يرى مثلها، عشر سنوات من الانتظار، سوف أمحو قسوتها بضمِّها إلى صدري. نعم! هكذا قلت لنفسي ولم أتردّد، فرحتُ أقترب إلى مسافة أثب منها، ولكنّها كانت لي بالمرصاد! فوضعت كفّها دوننا، ووقفت، وصارت تلوّح بسبابتها مشيرة بالرفض، وهي تقول: "ليس الآن!"، فقلتُ: عشر سنوات، وليس الآن؟ فمتى إذن؟!


كنتُ أحدّثها وقد أدارت صفحة خدّها، وهي تبتسم وتردّد: "سنلتقي ثانيةً، حينها افعل ما شئت!". فاستدركتُ سريعًا: ولكن لم تقولي لي، ما اسمكِ؟ من أنتِ؟


فضحكَتْ بغرور النساء وقالت: "أنا الحريّةُ!"


ثمّ اختفت في العتمة وصوت الصدى يتردّد؛ ويخفت شيئًا فشيئًا: الحريّة..! الحريّة..! الحريّة..؟!


فتحتُ عينيّ وأنا أتلمّظ، كأن شيئًا حلوًا مسَّ شفتيّ، ونظرتُ فبدا السجّان من طاقة الباب وهو يتفقّد ضحاياه؛ فأرحتُ الوسادة تحت رأسي، وتدثّرت بالغطاء، وتجاهلت النظر إلى وجهه كي لا يشوِّه حلمي الجميل!


صديقي رامي؛ هل تظنّ أنّني سألتقي بها ثانيةً وأضمّها بين ذراعيّ؟ كم أتشوّق لذلك اليوم.