تبدو ملامح التوسّع الاستيطاني في الجيوب الممنوعة على الفلسطينيين بالبلدة القديمة في مدينة الخليل جنوب الضّفة الغربية المحتلة مغايرة عن الأعوام الماضية، وقد تكون وفق بعض النشطاء المحليين الأسرع منذ احتلال (إسرائيل) لمدينة الخليل منذ العام (1967).
وبعد منح حكومة الاحتلال للمستوطنين ما وصف بإدارة شؤونهم الداخلية، الذي انبثق عنه تشكيل مجلس بلدي لنحو خمس بؤر استيطانية في قلب المدينة، أتبعه الاحتلال بتغيير أسماء الشوارع في قلب المدينة، وإنشاء متحف للمستوطنين في بؤرة استيطانية تتربع على حيّ تل الرميدة في وسط المدينة، ناهيك عن تحويل السّكان الفلسطينيين ممن صمدوا في منازلهم داخل البلدة القديمة إلى أرقام عبر الحواجز العسكرية التي تحوّلت إلى أشبه بالمعابر الحدودية، الأمر الذي يرى فيه المتابعون محاولات إسرائيلية حثيثة لتغيير الطابع العربي الفلسطيني لمدينة الخليل وبلدتها القديمة، رغم الاعتراف بها وبالمسجد الإبراهيمي كتراث إنساني من جانب منظمة اليونسكو.
يكشف منسق تجمّع شباب ضدّ الاستيطان عيسى عمرو لصحيفة "فلسطين" عن وضع المستوطنين لكرفان جديد في منطقة سوق الخضار القديم في البلدة القديمة، وهو منطقة كانت سوق الخضار المركزي لمدينة الخليل قبيل إغلاقها بعد مجزرة المسجد الإبراهيمي وما تلاها من إحكام للإغلاق عقب اندلاع انتفاضة الأقصى، معتبرا الأمر بداية لبؤرة استيطانية في المنطقة.
كما يشير إلى وضع المستوطنين كرفانا جديدا في منطقة كازية الجعبري فوق سوق الذهب المغلق في شارع الشهداء وسط المدينة، تمهيدا للاستيلاء على الكازية المغلقة منذ أعوام طويلة، وتحويلها إلى منطقة للتوسّع الاستيطاني، ناهيك عن قربها من الكراج القديم الذي يبني فيه المستوطنون قرابة (31) وحدة استيطانية.
وفي البؤرة الاستيطانية المسماة استيطانية "بيت رومانو" وفلسطينيا مدرسة أسامة بن المنقذ، شيّد الاحتلال مؤخرا نحو (28) وحدة استيطانية سكنية لطلبة ما يسمّى بالمعهد الديني الذي يقام في هذه المدرسة، إضافة إلى زيادة أنشطة استجلاب مستوطنين جدد إلى قلب المدينة، عبر إضافة كرفانات جديدة أو بناء مزيد من الوحدات الاستيطانية لاستيعابهم، ليصل عدد المستوطنين خلال هذه المرحلة نحو (800) مستوطن قابعون في قلب مدينة الخليل.
وحول الملامح التوسعية الجارية، يرى عمرو أنّها لا تتوقف عند السيطرة على الأماكن المهجورة فحسب، بل تمتد إلى سيطرة المستوطنين على منازل جديدة، وجلب عائلات للسّكن فيها، كما يحصل في منزل عائلة أبو رجب بمنطقة السّهلة القريبة من المسجد الإبراهيمي.
ويرى بأنّ الأنكى في ما يجري، منح المستوطنين إقامة بلدية لهم، كان أول أعمالها تغيير أسماء الشوارع في البلدة القديمة من اللغة العربية إلى العبرية، مشددا على أنّ وتيرة الاستيطان باتت بعد هذا الإجراء تشهد زيادة سريعة جدا وتهويدا كبيرا لم تعشه الخليل من قبل.
ويلفت عمرو إلى أنّ المستوطنين مازالوا يحاولون تحقيق ربطا جغرافيا بين مستوطنة "كريات أربع" والمسجد الإبراهيمي، عبر منطقة وادي الحصين، وهو ما يجري عبر الشارع الرئيس المار من هناك، لكنّ ما يعيق حرية التوسّع الاستيطاني في المنطقة وجود عددا من الحارات والأحياء السكنية منها حارتي غيث والسلايمة.
أمّا الناشط في تجمع "المدافعون عن حقوق الإنسان" بديع دويك يوضح لصحيفة "فلسطين" أنّ الخليل تحمل بعدا عقائديا لدى سلطات الاحتلال باعتبارها مدينة لا تقلّ أهمية عن مدينة القدس، ما يدفع سلطات الاحتلال ومجموعات المستوطنين للعمل المشترك من أجل إخلاء كامل الخليل القديمة، وتحويلها إلى منطقة كاملة للتوسّع الاستيطاني.
ويضيف: ملامح التوسّع الاستيطاني بالخليل مغايرة للأنشطة الجارية في مناطق أخرى، من خلال محاصرة الخليل وقطعها عن القضاء بالشوارع الالتفافية والحواجز العسكرية الثابتة، وعمليات تقطيع في قلب المدينة وتجزئة وتقسيم لا تشهده أيّ محافظات فلسطينية أخرى.
ويؤكّد بأنّ سلطات الاحتلال حوّلت المنطقة المصنّفة ضمن مناطق (H2) الخاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية وفق اتفاقية الخليل الموقعة بين السلطة الفلسطينية وحكومة الاحتلال في تسعينيات القرن الماضي إلى منطقة إسرائيلية كاملة، وعزلتها عن محيطها في مدينة الخليل، وتبذل في هذه المرحلة أقصى جهودها من أجل طرد ما تبقى من عائلات فلسطينية صامدة في هذه المناطق، وتحقيق ربط حقيقي بين كامل الأحياء المحيطة، لإقامة مدينة متكاملة للمستوطنين مرتبطة مع مستوطنة "كريات أربع".