فلسطين أون لاين

"مصالحة .. تمكين.. تصويب" مصطلحات هدفها التشويه والحرق؟

ظهرت منذ أحداث قطاع غزة يونيو 2007م عدة مصطلحات سياسية خاصة بهذا الحدث الفلسطيني غير المرحب به ومن تلك المصطلحات الانقلاب، الحسم، الانقسام، الخلاف، الصراع، الأحداث، الوثيقة، الورقة، الحراك، الحوار، المصالحة، الوفاق، إعلان، لقاءات، القواسم، رأب الصدع، الوحدة، التفاهمات، الاتفاق، التمكين، ولن تكون أخيرًا التصويب، والتي انحصرت منذ 17/9/2017 في ثلاثة مصطلحات وهي المصالحة والتمكين والتصويب، فلماذا كل هذه المصطلحات؟ وما الهدف من وراء طرحها؟


تعدد المصطلحات السياسية ليس له سوى معنى واحد أن المصالحة الفلسطينية بعيدة وبعيدة جدا، وأن أصحاب الملف أو من يضعون العراقيل في طريق المصالحة قد تعايشوا مع الاوضاع ويعز عليهم إنهاؤها، فالاستقبال الذي يلاقونه في العواصم المختلفة عظيم وكبير، يعز عليهم فراقه، ناهيك عن وجود مستفيدين جدا من الانقسام سواء اقتصاديا أو سياسيا، وسأسلط الضوء والتحليل على آخر المصطلحات وأهمها منذ الاعلان عن المصالحة بالرعاية المصرية الجادة.


المصالحة: مصطلح يطرح على خصمين يريدان انهاء حالة الخصام بينهما فيكمن الحل في عفو أحدهما عن الآخر، او تنازل أحدهما عن حقوقه للآخر، أو يتنازل كل منهما عن بعض حقوقه للآخر، أو يرضى أحدهم بالعقوبة التي تفرض قانونيا أو عرفيا على الآخر، المهم في النهاية يعلن الصلح بينهما باحتفال عام وتعود المياه لمجاريها كما يقول المثل الشعبي.


ولكن المصالحة الفلسطينية بين الخصمين الفلسطينيين الكبيرين مختلفة هنا جدا، ويكمن اختلافها باختلاف البرامج المبنية على الاعتقاد، فمعالم برنامج حركة فتح اليوم قائم على: العلمانية، الاعتراف بالاحتلال، التفاوض، السلمية، عدم الإيمان بالمقاومة المسلحة، التعاون الأمني، الرضا بـ 22% من الأراضي الفلسطينية، التحاكم للمؤسسات الدولية، بينما معالم برنامج حماس اليوم قائمة على: الإسلام، عدم الاعتراف بالاحتلال، المقاومة المسلحة، عدم التفريط بأي ذرة من فلسطين، التفاوض المستند للقوة، المقاطعة الاسرائيلية على كافة الصعد السياسية و الاقتصادية، والاجتماعية، ... الخ، لذلك نحن أمام خطين متخالفين وليس متوازيين، فلا التقاء ولا تقاطع، ولا حتى تقارب، لذلك يجب إلغاء مصطلح المصالحة من عقولنا ونعت ما يجرى بتطبيق ما تم الاتفاق عليه في القاهرة، أو تفاهمات القاهرة، فهي أقرب لما تم من تقريب وجهات النظر بين المتخاصمين، وخاصة أنهما موقعان عليه ويحتاج إلى تنفيذ فقط، لذلك لا أرى إعادة انتاج مصطلح المصالحة التي ما عاد يؤمن به أحد من الفلسطينيين بل أصبح محط سخرية، بين نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي "السوشيل ميديا"، فتصور بذلك الصياد الماهر الذي يختار مكانا رائعا مليئا بالأسماك فيطرح شبكته وبعد جهد وتعب وفرحة وهو يرى الشبكة مكتظة بالأسماك فيقوم بسحبها ويرفعها فإذا بها مفتوحة من الطرف الثاني، فيعود السمك للماء ويسقط الصياد أرضا مغشيا عليه، او بذلك الرجل المرفوع على الأيدي ويتم قذفه بين الشعب المنتفض والجيش المدجج بالسلاح في نقط التماس فهؤلاء يقذفونه لهؤلاء وهؤلاء يردونه الى هؤلاء وبين هؤلاء وهؤلاء يبقى الرجل يصرخ ولكن دون مجيب.


التمكين: مصطلح طرح حديثا بعد وصول حكومة الحمد الله لقطاع غزة في 2/10/2017م واستقبلت استقبال الفاتحين المنتصرين، ولكن سرعان ما أدارت ظهرها لهؤلاء المرحبين والمستبشرين لتصم آذانهم بمصطلح "التمكين" وهو مصطلح إداري يقصد به: "زيادة القدرة الروحية و السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية للأفراد و المجتمعات، أي عملية زيادة قدرة الأفراد أو الجماعات على اتخاذ خيارات وتحويل تلك الخيارات إلى الإجراءات والنتائج المطلوبة"، إلا أن حكومة الوفاق الفلسطيني أقحمته في السياسة، ليصبح على رأس المناكفات السياسية، فأصبحت تسمع الحكومة لم تمكن!، حسين الشيخ: الحكومة لم تتجاوز الـ 5% من مرحلة مباشرة عملها وتمكينها بغزة، أما عزام الأحمد فكانت درجة حكمه على التمكين مزاجية ما بين "لا خمسة ولا حتى صفر"، إلى 90% ، مرورا "نسبة تمكين الحكومة منذ تولي مهامها بغزة بعد استلام المعابر شكل 50%"، بينما ترك نبيل شعث الباب مفتوحا حيث قال: أؤكد أن هذه الاجراءات سترفع متى تمكنت الحكومة من استلام جميع صلاحياتها".


فأرى أن مصطلح التمكين هو مصطلح دخيل على السياسة هدفه المناكفات ولا يبنى عليه سياسة، وخاصة أن هناك تصريحات لزياد أبو عمرو نائب رئيس حكومة الوفاق قال فيها: "الأمور بغزة تسير على ما يرام، وأن العديد من وزراء حكومة التوافق تسلموا وزاراتهم ويتابعون العمل فيها من خلال الطواقم المختصة"، بينما رئيس الحكومة رامي الحمد الله، قد قال: "هناك بعض العقبات التي تواجه عملية تمكين الحكومة من تسلم كافة مهامها في قطاع غزة، اهمها جباية الضرائب الداخلية، وتمكين الوزراء من ممارسة مهامهم بشكل كامل".


تصويب أوضاع غزة، هذا آخر مصطلح شهدته المصالحة الفلسطينية فهو وليد اللحظة، حيث استبدل مجلس الوزراء الفلسطيني أمس مصطلح "العقوبات" التي فرضها الرئيس عباس على غزة بمصطلح "تصويب أوضاع غزة" وذلك لحرف الأنظار عن العقوبات ومحاولة طمسها، رغم أن أبرز الوكالات العالمية تصف اجراءات عباس بحق غزة بالعقوبات، وننقل على سبيل المثال وكالة كل من: فرانس برس 24: "وكانت إحدى الإجراءات العقابية التي اتخذها عباس ضد غزة"، الإندبندنت البريطانية: "أصدر الرئيس عباس سلسلة من الإجراءات العقابية ضد غزة"، المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية: "على الاتحاد الأوروبي أن يوفر لعباس الغطاء فورًا لإلغاء العقوبات ضد غزة"، سي إن إن: "ومن بين أولى الخطوات التي ينتظرها أهل غزة من السلطة الفلسطينية هي رفع الإجراءات العقابية"، إذاعة صوت أمريكا: "وينص اتفاق المصالحة على وجوب رفع العقوبات التي فرضتها السلطة على غزة"، وغيرها.


يلاحظ المتابع لسلوك السلطة أنها استمرأت المصطلحات الجديدة وأنها غير مستعجلة وتخفي من وراء ذلك نوايا غير صادقة لإنهاء صفحة الانقسام، فستبقى تراوغ وتناكف في المصطلحات لعلها تحقق أهدافها، تشويه وحرق حركة حماس وتحميلها وزر السنين السابقة، لعلها تستسلم ومن ثم تبدأ مرحلة الابتزاز وصولا لمحاكمتها، أو حرق الوقت لعل شعب غزة ينتفض بوجهها، أو تضطر حماس تحت الضغط الاقتصادي والمالي بالانفجار في وجه الاحتلال فتدخل في مواجهة مفتوحة معه، ربما تكون الأصعب في ظل الانهيار في منظومة القيم العربية والأمريكية. هذا من جانب ومن جانب آخر نحن لسنا بحاجة لمصطلحات جديدة والشمس لا تغطى بغربال فمن يريد إنهاء الانقسام فعنوانه واضح جدا تبني قطاع غزة بكل مكوناته وجزيئاته، والاعتراف به كجزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني له واجبات وعليه حقوق، وعلى الجميع الاسراع في تنفيذ ما اتفق عليه في القاهرة فهو الجامع المتفق عليه ولنلقي ما دونه وراء ظهورنا، لنلتفت معا وصفا واحدا للهم الأكبر أو ما يسمى بـ"صفقة القرن" وضياع القدس وتصفية القضية.