شهدت سجون الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2026 تصعيدًا خطيرًا في الانتهاكات بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، مع استمرار سياسات التجويع والتعذيب والإهمال الطبي والعزل، وتسجيل وفيات جديدة داخل السجون، بالتزامن مع إقرار تشريعات إسرائيلية توسّع نطاق تطبيق عقوبة الإعدام بحق الأسرى.
وتكشف المعطيات الحقوقية عن اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الأطفال والأسيرات والمعتقلين من قطاع غزة، في ظل تدهور ظروف الاحتجاز وغياب الرقابة الدولية الفاعلة، واستمرار حرمان أعداد من الأسرى من الزيارات العائلية والحقوق القانونية الأساسية.
وبحسب تقرير نشرته مؤسسة "العهد"، بلغ عدد الأسرى والمعتقلين في سجون الاحتلال نحو 9300 أسير ومعتقل حتى السادس من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بينهم 91 أسيرة و350 طفلًا و118 أسيرًا محكومًا بالسجن المؤبد، إضافة إلى 3101 معتقل إداري و1419 معتقلًا تحت تصنيف ما يسمى "المقاتلين غير الشرعيين".
وتشير المعطيات إلى أن نحو 49% من الأسرى والمعتقلين محتجزون دون تهمة أو محاكمة، فيما تجاوز عدد حالات الاعتقال في الضفة الغربية والقدس 26 ألف حالة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، بينها أكثر من ألفي طفل وما يزيد على 800 امرأة، دون احتساب آلاف حالات الاعتقال في قطاع غزة.
قانون الإعدام وتصعيد استهداف الأسرى
وشكّل إقرار الكنيست الإسرائيلي قانون عقوبة الإعدام، في 30 آذار/مارس الماضي، أحد أخطر التطورات التي شهدها ملف الأسرى، بعدما صوّت لصالحه 62 عضوًا مقابل 48، مع امتناع عضو واحد عن التصويت.
ويتيح القانون فرض عقوبة الإعدام في حالات محددة من جرائم القتل التي تصنفها المحاكم العسكرية الإسرائيلية ضمن ما يسمى "الإرهاب"، مع إمكانية إصدار الحكم دون اشتراط إجماع القضاة أو مطالبة النيابة العامة بتطبيق العقوبة، كما ينص على تنفيذ الإعدام شنقًا خلال 90 يومًا من صيرورة الحكم نهائيًا.
وفي 11 أيار/مايو، أقر الكنيست قانونًا آخر لإنشاء محكمة عسكرية خاصة في القدس المحتلة لمحاكمة متهمين بالمشاركة في أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، ومنحها صلاحية فرض عقوبة الإعدام في بعض القضايا.
وتزامنت هذه التشريعات مع تصعيد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير استعراضه الانتهاكات داخل السجون، ونشر تسجيلات مصورة يظهر فيها وهو يهدد أسرى فلسطينيين ويتباهى بتشديد ظروف احتجازهم، ومن بينها تهديد الأسير حسن سلامة بالقتل والإعدام خلال زيارة مصورة إلى زنزانته في أيلول/سبتمبر الماضي.
التجويع والتعذيب والإهمال الطبي
وعلى صعيد ظروف الاحتجاز، وثّق تقرير لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية، صدر في كانون الثاني/يناير الماضي واستند إلى شهادات 21 أسيرًا محررًا، أنماطًا متواصلة من التعذيب والتجويع والحرمان من الرعاية الطبية والاعتداءات الجسدية والجنسية داخل السجون.
وتضمنت الشهادات تعرض الأسرى للضرب، واستخدام الكلاب والصدمات الكهربائية والغاز والقنابل الصوتية، والتجريد القسري من الملابس، إلى جانب انتشار الأمراض، خصوصًا مرض الجرب، نتيجة نقص مواد النظافة والعلاج.
وكشفت شهادات أسرى محررين عن تدهور أوضاعهم الصحية جراء سياسة التجويع، إذ أفاد الأسير المحرر سامر خويرة بأنه فقد 22 كيلوغرامًا من وزنه خلال تسعة أشهر من الاعتقال في سجني مجدو ونفحة، بسبب النقص الحاد في الطعام.
وشهد العام الجاري الإعلان عن استشهاد عدد من الأسرى والمعتقلين داخل سجون الاحتلال، بينهم ضابط الإسعاف حاتم إسماعيل ريان (59 عامًا)، الذي ارتقى في سجن النقب خلال شباط/فبراير، بعد اعتقاله من مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة في كانون الأول/ديسمبر 2024.
كما استشهد المعتقل مروان فتحي حرز الله، من مخيم العين في نابلس، داخل سجن مجدو في آذار/مارس، بعد أقل من ثلاثة أشهر على اعتقاله، والأسير عماد راجح سرحان (47 عامًا) في سجن جلبوع خلال حزيران/يونيو، بعد اعتقال استمر منذ عام 2001، إضافة إلى المعتقل الإداري معتز نظام الأطرش (21 عامًا)، الذي توفي في سجن عوفر خلال أيلول/سبتمبر.
وبحسب المؤسسات الفلسطينية، ارتفع عدد الأسرى والمعتقلين الذين استشهدوا داخل سجون الاحتلال منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 إلى 92 أسيرًا ومعتقلًا معلومي الهوية، حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026، بينهم 53 من قطاع غزة، وسط مخاوف من ارتفاع العدد الفعلي في ظل استمرار إخفاء مصير معتقلين آخرين.
ولم تقتصر الانتهاكات على استشهاد الأسرى، إذ واصلت سلطات الاحتلال احتجاز جثامين 99 أسيرًا متوفى حتى الثامن من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بينها 88 جثمانًا لأسرى توفوا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
الأطفال والأسيرات في دائرة الانتهاكات
وامتدت الانتهاكات الإسرائيلية لتطال الأطفال والأسيرات، إذ أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، في آب/أغسطس الماضي، وجود 355 طفلًا فلسطينيًا من الضفة الغربية في سجون الاحتلال، بينهم 164 طفلًا رهن الاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة، في أعلى حصيلة خلال ثماني سنوات.
ووثّقت المؤسسات الحقوقية تعرض الأطفال للضرب والعزل والمعاملة المهينة، إلى جانب نقص الغذاء ومستلزمات النظافة، وما ترتب على ذلك من فقدان شديد للوزن وانتشار الأمراض الجلدية.
وفيما يتعلق بالأسيرات، بلغ عددهن 91 أسيرة مطلع تشرين الأول/أكتوبر، بعدما سُجل وجود 99 أسيرة في حزيران/يونيو، بينهن حوامل وقاصرات ومصابات بأمراض خطيرة، من بينها السرطان.
وسلّطت قضية الأسيرة دانا جودة الضوء على الظروف القاسية التي تواجهها الأسيرات، بعدما وضعت مولودتها داخل أحد مستشفيات الاحتلال في 14 أيلول/سبتمبر، إثر معاناتها من نزيف ومخاض داخل سجن الدامون، حيث خضعت لعملية قيصرية وهي مقيدة اليدين والقدمين وتحت حراسة مشددة.
كما سُجلت إصابات بمرض الجرب بين عدد من الأسيرات في سجن الدامون، وسط شكاوى من نقص مستلزمات النظافة وشح الطعام والرطوبة، إلى جانب الاقتحامات المتكررة للغرف واستخدام الغاز والقنابل الصوتية.
معتقلو غزة وغياب الرقابة الدولية
وفي قطاع غزة، لا يزال ملف المعتقلين يواجه صعوبات كبيرة في التوثيق، في ظل احتجاز أعداد منهم تحت تصنيف "المقاتلين غير الشرعيين"، وحرمانهم من ضمانات المحاكمة والوصول المنتظم إلى المحامين والعائلات.
وطالت الاعتقالات العاملين في القطاعين الصحي والإعلامي، إذ أشار تقرير للأمم المتحدة إلى اعتقال أكثر من 100 صحفي وعامل إعلامي فلسطيني منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، فيما أعلن مكتب إعلام الأسرى وجود 38 صحفيًا وصحفية في سجون الاحتلال خلال أيلول/سبتمبر الماضي.
ومن أبرز الحالات مدير مستشفى كمال عدوان السابق، الدكتور حسام أبو صفية، المعتقل منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، والذي يواجه العزل وتدهور وضعه الصحي والحرمان من الرعاية الطبية.
ورغم قرار المحكمة العليا الإسرائيلية، في حزيران/يونيو الماضي، إبطال سياسة المنع الشامل لزيارات اللجنة الدولية للصليب الأحمر للأسرى الفلسطينيين، فإن اللجنة لم تتمكن، خلال زيارة وفدها لمنشأة احتجاز عسكرية في أيلول/سبتمبر، من لقاء أي معتقل أو التواصل معه بصورة مباشرة.