☰
✕

قائمة الموقع

محمد السطري.. هداف اغتاله الاحتلال في رحلة البحث عن الطعام لأطفاله

2026-11-08T13:11:00+02:00
الشهيد محمد عبد الله موسى السطري
فلسطين أون لاين

في أزقة خان يونس وحاراتها، ولدت موهبة كروية استثنائية لم تكن تخطئ طريق المرمى، بزغ نجم الشهيد محمد عبد الله موسى السطري، المعروف بـ"أبو يوسف"، الهداف الذي شغل أندية قطاع غزة وصال وجال في ملاعبها، قبل أن تضع الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي حدا لحياته وتغتال أحلامه، وهو يقف في صفوف الانتظار لتأمين قوت أطفاله. 

حكاية لاعب كان اسمه يرتبط بالأهداف والانتصارات، قبل أن يصبح اسمه شاهدا على مأساة الرياضيين الفلسطينيين الذين انتزعت الحرب منهم ملاعبهم ومصادر رزقهم، ودفعتهم إلى مواجهة قاسية من أجل البقاء.

ولد الشهيد محمد السطري في مدينة خان يونس بتاريخ 12 فبراير 1989، ونشأ في بيئة شعبية ارتبطت فيها كرة القدم بحياة الشباب وأحلامهم، فوجد في المستطيل الأخضر المساحة التي يستطيع من خلالها التعبير عن موهبته وصناعة مستقبله.

لم تكن رحلته مجرد هواية عابرة، بل شغفا تحول مع مرور السنوات إلى مسيرة كروية حافلة بالتجارب والإنجازات، جعلته واحدا من المهاجمين المعروفين في أندية المحافظات الجنوبية.

بداية المسيرة

بدأت مسيرته الرسمية مع الأندية عام 2010، عندما انضم إلى نادي القادسية تحت قيادة المدرب سعيد حمد، الذي منحه فرصة الظهور وإبراز قدراته الهجومية.

ومع مرور الوقت، تطورت إمكاناته تحت إشراف المدربين الراحل نايف عبد الهادي وشادي أبو عرمانة، ليصبح مهاجما يمتلك حساسية كبيرة أمام المرمى، وقدرة على استغلال الفرص وترجمتها إلى أهداف.

سرعان ما فرض السطري نفسه بين مهاجمي الكرة الغزية، وتحول إلى لاعب مطلوب لدى العديد من الأندية التي سعت للاستفادة من قدراته التهديفية، ولم تكن تنقلاته بين الأندية مجرد محطات عابرة، بل شكلت دليلا على قيمته الفنية، بعدما خاض تجارب متعددة ترك خلالها بصمات واضحة.

ارتدى السطري قمصان عدد من أبرز أندية قطاع غزة، إذ لعب لجماعي رفح عام 2011، والصداقة عام 2015، وخدمات رفح عام 2016، وشباب رفح عام 2017، وأهلي النصيرات عام 2018، قبل أن ينتقل إلى غزة الرياضي والتفاح عام 2019، كما خاض تجربة مع شباب بيت حانون الأهلي عام 2020، وخدمات خان يونس عام 2021، ثم خدمات النصيرات وشباب الزوايدة ونادي الأمل عام 2022.

وبلغت نجوميته ذروتها عندما توج هدافا لدوري الدرجة الأولى مع القادسية في موسم 2015-2016، بعدما قدم موسما تهديفيا مميزا أكد خلاله قدرته على منافسة أبرز مهاجمي القطاع.

كما ارتبط اسمه بإنجازات الصعود إلى دوري الدرجة الممتازة، بعدما ساهم في قيادة عدة أندية إلى تحقيق هذا الهدف، وفي مقدمتها القادسية والتفاح وخدمات النصيرات، وهي محطات عززت مكانته بين اللاعبين الذين تركوا أثرا في تاريخ الكرة المحلية.

وعلى مستوى البطولات، توج السطري بلقب كأس قطاع غزة مع خدمات رفح عام 2016، ثم أضاف إلى سجله كأس السوبر مع شباب رفح عام 2017، في مسيرة جمعت بين الألقاب الجماعية والإنجازات الفردية. 

كذلك مثل منتخب رفح لمواليد عام 1989، وارتدى قميص المنتخب الفلسطيني الأولمبي، ليقترب من تحقيق حلمه الأكبر بتمثيل الكرة الفلسطينية على مستويات أعلى.

ولم تتوقف طموحاته عند حدود الملاعب المحلية، إذ تلقى عرضا رسميا للاحتراف في الضفة الغربية من خلال نادي أهلي الخليل، في خطوة كان من الممكن أن تفتح أمامه آفاقا جديدة في مسيرته الرياضية، وتمنحه فرصة تطوير تجربته الكروية خارج قطاع غزة. 


 

حلم أجهضه الاحتلال

غير أن قيود الاحتلال على حركة الفلسطينيين حالت دون تحقيق ذلك، بعدما رفض الاحتلال إصدار تصريح خروج له عبر المعابر، ليبقى حلم الاحتراف معلقا خلف الحصار، ويواصل مسيرته داخل القطاع المحاصر.

لكن الحرب التي اندلعت على قطاع غزة قلبت حياة السطري رأسا على عقب، كما فعلت مع آلاف الرياضيين الفلسطينيين، بعدما دمرت المنشآت الرياضية وأوقفت النشاط الكروي وأغلقت الأبواب أمام جيل كامل من اللاعبين الذين كانوا يطمحون إلى مواصلة مسيرتهم.

فقد تعرضت البنية التحتية الرياضية في القطاع لدمار واسع، طال الملاعب المعشبة والصالات المغلقة ومقار الأندية والمنشآت المخصصة للتدريب، فيما تحولت منشآت أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين أو مواقع عسكرية. 

ومع توقف مسابقات الدوري والبطولات بمختلف درجاتها، فقد الرياضيون فرص العمل ومصادر الدخل المرتبطة بالنشاط الرياضي، وأصبح اللاعبون والمدربون والإداريون أمام واقع معيشي بالغ القسوة.

وبالنسبة إلى السطري، الذي اعتاد أن يكون حضوره داخل الملعب مرتبطا بملاحقة الكرة وهز الشباك، أصبحت الأولوية مختلفة تماما، فلم يعد يفكر في تسجيل الأهداف أو المنافسة على الألقاب، بل انشغل بتأمين احتياجات أسرته وتوفير الطعام لأطفاله، وسط ظروف النزوح المتكرر وارتفاع الأسعار وشح المواد الأساسية وصعوبة الوصول إلى المساعدات الإنسانية.

الشهادة

وفي يوم الأربعاء الموافق 24 سبتمبر 2025، توجه محمد السطري، كغيره من مئات المواطنين، إلى منطقة "الشاكوش" شمال غربي مدينة رفح، على أمل الحصول على سلة غذائية أو مساعدات إنسانية تساعده في توفير احتياجات أسرته وإطعام أطفاله. لم يكن ذهابه إلى هناك بحثا عن بطولة أو إنجاز جديد، بل محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة في ظل المجاعة والحصار.

لكن رحلة البحث عن الطعام انتهت بمأساة، بعدما استهدف رصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي المواطنين المتوجهين إلى مركز المساعدات، ليرتقي السطري شهيدا، وهو يحاول تأمين قوت عائلته.

برحيله، فقدت الكرة الغزية مهاجما ترك بصمته في سجلاتها، وخسرت أندية القطاع لاعبا عرفته ملاعبها لسنوات، فيما وجدت عائلته نفسها أمام فاجعة مضاعفة، بفقدان الأب الذي خرج بحثا عن الطعام لأطفاله ولم يعد.

لم تكن حكاية محمد السطري مجرد قصة لاعب أنهت الحرب مسيرته الرياضية، بل صورة مكثفة لما تعرض له الرياضي الفلسطيني في قطاع غزة، حيث تحولت الأحلام إلى ذكريات، والملاعب إلى ركام، وأصبح أصحاب المواهب الذين كانوا يطاردون الانتصارات مضطرين إلى خوض معارك يومية من أجل النجاة.

رحل "أبو يوسف" تاركا خلفه إرثا كرويا مشرفا، وأهدافا وإنجازات لا تمحوها سنوات الحرب، وذكرى ستبقى حاضرة في ذاكرة زملائه وجماهيره. وبينما كان يفترض أن تظل حكايته مرتبطة بما حققه في الملاعب، أصبحت نهايته شاهدا مؤلما على رياضي اغتيل وهو يبحث عن لقمة العيش، في مأساة تختصر حجم الخسارة التي لحقت بالرياضة الفلسطينية وأبنائها في قطاع غزة.

اخبار ذات صلة