مكالمة هاتفية من المدير التنفيذي، وصفقة مالية سرية، ومحام من مكتب دولي كبير يؤكد ضرورة إتمام التحويل بسرعة. تفاصيل تبدو مألوفة داخل الشركات الكبرى، لكنها تحولت إلى أدوات في عملية احتيال عابرة للحدود، انتهت بخسارة مؤسسات ملايين الدولارات.
المفاجأة أن الأشخاص الذين تحدث إليهم الموظفون لم يكونوا بالضرورة مديرين أو محامين حقيقيين، رغم أن أصواتهم، وفي بعض الحالات صورهم، بدت مطابقة لأشخاص يعرفونهم، بعدما استخدم المحتالون تقنيات الذكاء الاصطناعي لانتحال هوياتهم.
وكشفت وزارة العدل الأمريكية توجيه اتهامات إلى 3 أشخاص باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لانتحال صفة مسؤولين تنفيذيين ومحامين، ضمن مخطط احتيالي استولوا من خلاله، بحسب لائحة الاتهام، على أكثر من 129 مليون دولار من شركات ومؤسسات في الولايات المتحدة ودول أخرى.
مكالمة من المدير التنفيذي
بدأت العملية، وفقا للائحة الاتهام التي أعلنتها النيابة الاتحادية في المنطقة الجنوبية من نيويورك، باستهداف موظفين داخل شركات مختلفة، ولا سيما العاملين في الأقسام المالية والمحاسبية.
وكان الموظف المستهدف يتلقى رسالة تبدو صادرة عن المدير التنفيذي لشركته، تتضمن معلومات عن صفقة مالية حساسة تتطلب مساعدته، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على سريتها وعدم مناقشتها مع الآخرين.
وبعد ذلك، يرتب المحتالون مكالمات هاتفية أو مرئية، مستخدمين تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليد صوت المدير التنفيذي، وأحيانا صورته، بهدف إقناع الموظف بأنه يتواصل مع رئيسه بالفعل.
لكن المكالمة لم تكن سوى المرحلة الأولى من الخدعة، إذ كان المدير المزعوم يطلب من الموظف التواصل مع محام يعمل لدى مكتب قانوني دولي كبير، بدعوى أن المكتب يتولى الإشراف على الصفقة السرية.
وكان المحامي بدوره شخصية ينتحلها أحد أفراد المجموعة، ليجد الموظف نفسه أمام طرفين يبدوان موثوقين، أحدهما مدير شركته والآخر محام يؤكد تفاصيل الصفقة، قبل أن يتلقى التعليمات النهائية بتحويل مبالغ مالية كبيرة إلى حسابات مصرفية يسيطر عليها المحتالون.
ورقة مكتوبة لانتحال شخصية محام
من أكثر التفاصيل لفتا للانتباه في القضية ما كشفته وزارة العدل بشأن أحد المتهمين، ويدعى جاكوب سوال، البالغ 41 عاما.
فقد كان سوال يتولى بصورة أساسية انتحال صفة محامين من المملكة المتحدة، واحتفظ بنص مكتوب بخط اليد يحمل عنوان "مكالمة المحامي"، يتضمن عبارات وتعليمات معدة مسبقا لمساعدته على الظهور بمظهر محام حقيقي أثناء التواصل مع الضحايا.
وبحسب الادعاء، اشتمل النص على عبارات تهدف إلى إقناع الموظفين بعدم مناقشة الاتصالات التي يتلقونها مع زملائهم في العمل.
وبذلك، لم تكن السرية مجرد تفصيل في عملية الاحتيال، بل جزءا أساسيا من آلياتها، إذ إن الموظف الذي يعتقد أنه يشارك في صفقة مالية حساسة قد يتجنب سؤال زملائه أو التحقق من هوية المتصل، ما يمنح المحتالين فرصة لإتمام التحويلات دون إثارة الشكوك.
مستشفيات وبنوك وشركات ضمن قائمة الضحايا
لم تقتصر الخسائر المزعومة على شركة واحدة أو قطاع بعينه، إذ كشفت وزارة العدل عن تحويلات مالية شملت مؤسسات صحية ومصرفية واستثمارية وشركات خاصة.
ومن أبرز المبالغ التي أوردتها لائحة الاتهام:
-
نحو 4.83 ملايين دولار من مؤسسة صحية في ولاية ميزوري الأمريكية.
-
نحو 2.68 مليون دولار من بنك في ولاية رود آيلاند.
-
نحو 2.97 مليون دولار من مؤسسة صحية في كاليفورنيا.
-
نحو 11.58 مليون دولار من شركة تكنولوجيا مالية مقرها المملكة المتحدة.
-
نحو 4.64 ملايين دولار من شركة صناديق استثمار في ماساتشوستس.
-
نحو 5.24 ملايين دولار من شركة متخصصة في أغذية الحيوانات الأليفة بولاية فلوريدا.
وهذه المبالغ ليست سوى أمثلة على التحويلات التي رصدتها السلطات، ضمن مخطط قالت إن إجمالي الأموال المستولى عليها من خلاله تجاوز 129 مليون دولار.
أين ذهبت الأموال؟
لم تقتصر الحسابات التي استقبلت الأموال على الولايات المتحدة، إذ استخدم المتهمون وشركاؤهم حسابات مصرفية في دول مختلفة لتحويل المبالغ والاستفادة منها.
وبحسب التحقيقات، كان أفراد المجموعة يحولون الأموال بعد وصولها إلى تلك الحسابات إلى عملات مشفرة، في محاولة لإخفاء مصدرها والجهات التي تسيطر عليها، قبل توزيعها فيما بينهم.
ومن التفاصيل التي أوردتها وزارة العدل أن أحد المتهمين، ويدعى شارون حزان، البالغ 54 عاما، تفاخر بأنه يمارس غسل الأموال منذ عام 1994، وزعم أنه غسل أكثر من 400 مليون دولار خلال السنوات الثلاث السابقة، واصفا نفسه بأنه الأفضل عالميا في هذا المجال.
3 متهمين يواجهون طلبات تسليم
المتهمون الثلاثة في القضية هم جاكوب سوال، وشارون حزان، وغاي شطريت، البالغ 42 عاما.
وأعلنت السلطات أن سوال اعتُقل في إسبانيا يوم 17 يونيو/حزيران 2026، فيما اعتُقل حزان في البلد نفسه يوم 5 أغسطس/آب، بينما أُلقي القبض على شطريت في المملكة المتحدة يوم 7 سبتمبر/أيلول.
وطلبت الولايات المتحدة تسليم المتهمين لمحاكمتهم أمام القضاء الأمريكي، حيث يواجهون اتهامات تشمل التآمر لارتكاب الاحتيال الإلكتروني، والاحتيال الإلكتروني، وسرقة الهوية المشددة، والتآمر لغسل الأموال وغسل الأموال.
وتصل العقوبة القصوى لبعض هذه التهم إلى السجن 20 عاما، فيما تنص التشريعات الأمريكية على عقوبة إضافية مدتها سنتان لكل تهمة تتعلق بسرقة الهوية المشددة.
هل أصبح صوت المدير دليلا كافيا؟
أثارت القضية تحذيرات جديدة بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات الاحتيال المالي، خصوصا مع تطور الأدوات القادرة على محاكاة الأصوات والصور بدرجة تجعل التمييز بين الشخص الحقيقي والمحتال أكثر صعوبة.
فالوسائل التي اعتادت الشركات الاعتماد عليها للتحقق من التعليمات، مثل التعرف على صوت المدير أو رؤيته عبر مكالمة مرئية، لم تعد كافية وحدها لضمان صحة هوية المتصل، في ظل إمكانية التلاعب بهذه الوسائل باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقال المدعي الفدرالي جيمي ماكدونالد، في بيان لوزارة العدل، إن هذه التكنولوجيا تحمل إمكانات كبيرة، لكنها قد تُستخدم أيضا لتحقيق أهداف إجرامية، داعيا الأفراد والشركات إلى التفكير في سبل حماية أنفسهم من الجرائم التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
من جهته، أكد مكتب التحقيقات الاتحادي الأمريكي "إف بي آي" (FBI) أن القضية توضح قدرة المجرمين على استغلال التقنيات المتقدمة لتنفيذ عمليات احتيال واسعة النطاق.
وتكشف تفاصيل المخطط أن الخطر لا يقتصر على قدرة المحتالين على تقليد الأصوات والصور، بل يمتد إلى قدرتهم على بناء سيناريو متكامل يبدو واقعيا للضحية، يبدأ برسالة من المدير التنفيذي، ويمر بمحام يؤكد صحة الصفقة، وينتهي بتحويل الأموال إلى حسابات يسيطر عليها المحتالون.
وبذلك، لم يعد التحقق من هوية المتصل مسألة شكلية، بل أصبح جزءا أساسيا من حماية المؤسسات من الاحتيال المالي، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتحويلات كبيرة أو تعليمات مالية عاجلة.
ومع ذلك، تؤكد وزارة العدل أن ما ورد في لائحة الاتهام يمثل ادعاءات لم تثبت قضائيا بعد، وأن المتهمين الثلاثة يُعدّون أبرياء ما لم تثبت إدانتهم أمام القضاء.