☰
✕

قائمة الموقع

بين مطر الشتاء وخطر الانهيار.. منازل غزة تتحول إلى مصائد للموت

2026-11-08T12:20:00+02:00
بين مطر الشتاء وخطر الانهيار.. منازل غزة تتحول إلى مصائد للموت "صورة أرشيفية"
فلسطين أون لاين

لا يحتاج أهالي غزة إلى سماع أصوات القصف الإسرائيلي حتى يشعروا بأن الموت يقترب من منازلهم؛ فبعض الجدران المتصدعة والأسقف المتآكلة والأعمدة الخرسانية التي فقدت قدرتها على الاحتمال باتت كافية لإبقائهم في حالة ترقب دائم، خشية أن تتحول زخات المطر المتساقطة مع كل منخفض جوي إلى بداية انهيار يدفنهم تحت الأنقاض.

ومع دخول فصل الشتاء، يجد آلاف الغزيين أنفسهم أمام معادلة قاسية لا تترك لهم خيارات آمنة؛ فإما البقاء في منازل أصابتها الصواريخ والقذائف الإسرائيلية وأصبحت مهددة بالانهيار في أي لحظة، وإما العودة إلى الخيام التي لا توفر الحد الأدنى من الحماية أمام الأمطار الغزيرة والرياح العاتية، بعدما تحولت بفعل المنخفضات الجوية إلى أماكن تغمرها المياه وتتقطع أقمشتها وتغرق فيها فراشات الأطفال.

وفي وجود الدمار الواسع الذي طال القطاع، وغياب وحدات الإيواء المؤقتة ومواد البناء ومعدات التدعيم، لم يعد المنزل الآيل للسقوط مجرد مأوى اضطراري، بل أصبح خياراً يفرضه انعدام البدائل على عائلات تدرك حجم الخطر الذي يحيط بها، لكنها لا تجد مكاناً آخر تذهب إليه.

وتتضاعف المخاوف مع تأثر القطاع بمنخفض جوي مصحوب بأمطار غزيرة ورياح شديدة، إذ تزيد المياه المتسربة إلى الجدران والأساسات المتضررة من احتمالات حدوث انهيارات مفاجئة، في وقت يعيش فيه السكان بين سقوف يخشون سقوطها وخيام يخشون أن تجرفها مياه الأمطار.

تحذيرات رسمية

وفي ظل هذه المخاطر، أصدرت المديرية العامة للدفاع المدني في قطاع غزة تحذيرات عاجلة للمواطنين المقيمين في المنازل والمباني المتضررة جراء العدوان الإسرائيلي والآيلة للسقوط، داعية إلى إخلائها فوراً والتوجه إلى أماكن أكثر أماناً.

وأكدت المديرية أن تشبع الجدران والأساسات المتصدعة بمياه الأمطار يؤدي إلى إضعاف بنيتها الإنشائية، وقد يتسبب في تفاقم التشققات وحدوث انهيارات مفاجئة، سواء في أجزاء من المباني أو فيها بصورة كاملة.

وشددت على ضرورة عدم العودة إلى المنازل المتضررة قبل إخضاعها للفحص من اللجان الفنية المختصة، مع إبعاد الأطفال والنساء وكبار السن عن المنشآت المهددة ومحيطها، مناشدة المؤسسات الإنسانية والدولية توفير مراكز إيواء بديلة وآمنة للأسر التي تضطر إلى البقاء في هذه المباني لعدم امتلاكها خيارات أخرى.

كما أعلنت وزارة الأشغال العامة والإسكان في قطاع غزة، في بيان الخميس الماضي، منح سكان أربعة مبانٍ متصدعة في مدينة غزة مهلة أخيرة حتى 10 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري لإخلائها طوعاً، محذرة من اللجوء إلى الإخلاء الجبري الاضطراري في حال عدم الاستجابة.

وشملت المباني التي حددتها الوزارة بناية "فورة"، ومبنى "صيام"، ومبنى "البايض"، وعمارة "النجمة"، مؤكدة أن هذه المنشآت تشكل خطراً مباشراً على حياة قاطنيها والمواطنين في محيطها.

وأوضحت أن طواقمها الهندسية والفنية أجرت عمليات حصر وتقييم للأضرار بالتنسيق مع الجهات الحكومية المختصة، وحددت الإجراءات المطلوبة للتعامل مع كل مبنى وفق درجة الخطورة.

"لن أعود إلى حياة الخيام"

وبين التحذيرات الرسمية ومخاوف الانهيار، يتمسك المواطن محمد عبد العال (42 عاماً) بالبقاء داخل منزله المتضرر والآيل للسقوط، إذ يعيش برفقة أسرته المكونة من ستة أفراد، رغم إدراكه للمخاطر التي تحيط به وبأطفاله.

ويقول عبد العال، لصحيفة "فلسطين": "أنا أعرف أن بيتي لم يعد آمناً، وأعرف أن الجدران متصدعة وأن السقف لم يعد كما كان قبل الحرب، وأحياناً عندما أسمع صوتاً قوياً أو أشعر باهتزاز في المبنى، ينتابني خوف شديد من أن يكون هذا هو الوقت الذي سينهار فيه المنزل فوق رؤوسنا. لكن ماذا أفعل؟ إلى أين أذهب بزوجتي وأطفالي الخمسة؟ هل أخرج بهم إلى الشارع وأتركهم يواجهون البرد والمطر؟".

ويضيف: "لقد جربت حياة الخيام، وأستطيع القول إنها حياة قاسية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. لا توجد خصوصية، ولا حماية من البرد، ولا مكان جاف تستطيع أن تنام فيه عندما تمطر السماء. في إحدى المرات استيقظنا على المياه وهي تدخل الخيمة، وكانت الأغطية والملابس والفراش مبللة، وقضينا ساعات نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أطفالي كانوا يرتجفون من البرد، ولم أكن أملك شيئاً أفعله لهم".

ويتابع عبد العال: "لا نرفض الإخلاء لأننا نحب المخاطرة بحياتنا، بل لأننا لا نملك مكاناً آخر نذهب إليه"، مشيرا إلى الحاجة إلى منزل مؤقت أو كرفان يحمي الأطفال من المطر.

ورغم سريان أكثر من عام على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، يرفض الاحتلال إدخال الكرفانات ومواد الإيواء وإعادة الإعمار للقطاع.

"300 دولار مقابل منزل مهدد بالانهيار"

ولا تقتصر المأساة على أصحاب المنازل المتضررة، بل تمتد إلى عائلات أخرى تضطر إلى استئجار مبانٍ متصدعة مقابل مبالغ مالية مرتفعة، بعدما أصبحت الخيارات السكنية محدودة للغاية في القطاع.

ومن بين هؤلاء المواطن خالد عيسى (38 عاماً)، الذي يعيش مع أسرته المكونة من أربعة أفراد في منزل مستأجر بمدينة غزة، رغم تعرض المبنى لأضرار إنشائية جعلته مهدداً بالانهيار.

ويقول عيسى، لصحيفة "فلسطين": "أدفع 300 دولار شهرياً مقابل هذا المنزل، وأعرف جيداً أنه ليس آمناً، وأن هناك تشققات واضحة في الجدران وبعض الأجزاء المتضررة من السقف. لكنني عندما أبحث عن منزل آخر لا أجد، وإن وجدت مكاناً مناسباً فإن إيجاره يكون مرتفعاً جداً ولا أستطيع تحمله. نحن لا نختار هذا المنزل لأنه آمن، بل لأننا لا نملك خياراً آخر".

ويضيف: "بالنسبة لي، وجود أربعة جدران أستطيع أن أجلس بينها، وحائط أسند عليه ظهري، وسقف يحميني من المطر، أفضل بكثير من العيش داخل خيمة تتعرض للغرق والتمزق بسبب الأمطار والرياح. من لم يعش ليلة كاملة داخل خيمة غمرتها المياه لن يفهم معنى أن تستيقظ وأطفالك يرتجفون من البرد، وأن تبحث عن مكان جاف تضع فيه رؤوسهم".

ويتابع عيسى: "قبل أيام، تلقيت تحذيراً من لجنة الطوارئ في المنطقة، وطالبوني بإخلاء المنزل بسبب خطورته، لكنني رفضت. (...) أنا لا أستهين بحياتي وحياة أطفالي، لكن الإخلاء دون توفير مأوى بديل يعني أنني سأعود إلى الشارع".

ويشير إلى أن المخاوف تزداد مع كل منخفض جوي "عندما يبدأ المطر، نبقى مستيقظين نراقب السقف والجدران. أصبحنا نخاف من صوت الرياح ومن تسرب المياه إلى الشقوق. هذا ليس سكناً طبيعياً، بل انتظار دائم لما قد يحدث".

2000 مبنى مهدد بالانهيار

وحذر الناطق باسم المديرية العامة للدفاع المدني في غزة، محمود بصل، لصحيفة "فلسطين" من وجود نحو 2000 مبنى آيل للسقوط في القطاع، مشيراً إلى أن آلاف المواطنين لا يزالون يقيمون داخل منشآت متضررة رغم المخاطر التي تهدد حياتهم.

وأوضح أن هذه المباني والوحدات السكنية يقطنها قرابة 20 ألف مواطن، اضطروا إلى البقاء فيها في ظل انعدام البدائل السكنية ومراكز الإيواء الآمنة.

وتتضاعف المخاطر، وفق التحذيرات المنشورة للدفاع المدني، مع اقتراب موسم الشتاء، إذ إن الأمطار الغزيرة وتسرب المياه إلى العناصر الإنشائية المتضررة قد يؤديان إلى تفاقم التشققات وإضعاف قدرة المباني على التحمل، بما يرفع احتمالات انهيارها بصورة مفاجئة.

ويشير بصل إلى أن المشكلة لا تتعلق فقط بوجود مبانٍ متضررة، وإنما أيضاً بالعجز عن التعامل معها بالإمكانات المتاحة، في ظل النقص الحاد في معدات الإنقاذ والآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض والتعامل مع المنشآت المهددة.

اخبار ذات صلة