فلسطين أون لاين

غزة تغرق.. شتاء بلا سقف

لم يهدأ القصف، ولم يتوقف نزيف الدماء في غزة، وما زال الموت ينشر زفراته؛ بين ركام البيوت المهدمة أو المهددة بالانهيار، وأكوام القمامة، وانتشار القوارض، وطوابير المياه والخبز التي لا تنتهي، وكأن غزة لم تكتفِ بحرب الإبادة، حتى جاء الشتاء ليخوض أهلها حربا أخرى مع المطر؛ فحين يهطل، لا يغسل الشوارع ولا يروي عطش الأرض، بل يطرق أبواب الخيام البالية كضيف ثقيل، ويدخل بلا استئذان، ليأخذ معه ما تبقى للفلسطيني من مأوى، بعدما أغرقت المياه آلاف الخيام وانتزعت من أصحابها آخر ما احتموا به.

في غزة، لا يحتاج اليأس إلى كلمات كثيرة كي يُرى، يكفي أن تشاهد رجلا يقف أمام خيمته الغارقة، يرفع يديه للسماء، لا ليدعو فحسب، بل كأنما يسألها إلى أين نمضي؟ وماذا سنخسر أيضا؟ يقف عاجزا أمام الماء الذي ابتلع فراشه وأغطية أطفاله، ويداه تختصران حكاية شعب أنهكته الحرب.

وفي خيمة أخرى، امرأة ودعت أحباءها الذين غادروا في رحلة علاج، علهم يجدون خارج غزة دواء يرمم أجسادهم المتعبة، لكنها حين عادت إلى خيمتها لم تجد فيها ما يستحق العودة إليه؛ ابتلعت مياه الأمطار فراشها وأمتعتها، وغمرت المكان الذي كان يحفظ ما تبقى من دفء العائلة، غادر أحباؤها بحثا عن الحياة، فغرق مأواها، يا لقسوة المفارقة؛ أن تودع من تحب على أمل اللقاء، ثم تعود لتواجه وحدها خراب المكان الذي كان يجمعهم.

وعلى أطراف المخيم، تجلس أم بين أطفالها، تبكي لا لأنها فقدت فراشا أو غطاء، بل لأنها عجزت عن حمايتهم، تبكي قلة الحيلة والهوان، وتحاول تجفيف أجسادهم الصغيرة، وانتشال ثيابهم من الماء، وجمع ما تبعثر من أشيائهم، وتخفي دموعها عن الصغار، عاجزة عن تفسير لماذا تساقط المطر من سقف خيمتهم، ولماذا صار فراشهم بركة ماء، ولماذا لم يعد حضن الأم وحده كافيا لحمايتهم.

هنا، لا تبكي الأمهات على الأثاث، ولا يتحسر الآباء على متاع أخذته الحرب منذ زمن؛ فكل ما في الخيمة بسيط ويمكن تعويضه، إلا أعمار الأطفال التي تستنزف في الخوف، وكرامة الإنسان حين يعجز عن توفير سقف لا يتسرب منه المطر.

سبعون ألف خيمة أغرقتها المياه، لكن خلف ذلك سبعون ألف قصة معاناة، سبعون ألف عائلة استيقظت على وجع جديد، خلف كل خيمة طفل يرتجف، وأم تحاول أن تبدو قوية، وأب يفتش في الوحل عن غطاء، وامرأة تحتضن ما تبقى من ذكرياتها، إذ لم تعد الخيمة تستر أجسادهم من المطر، ولا تحفظ ما تبقى من ذكرياتهم.

ليست المأساة أن المطر هطل، فالمطر نعمة حين يجد أرضا تستقبله وسقفا يحمي الناس منه، المأساة أن غزة تركت في مواجهة الشتاء بخيام لا ترد الماء، وأجساد أنهكتها الحرب، وقلوب لم تعد تحتمل فاجعة أخرى.

لا تسأل الناس عن الطقس، اسألهم كم طفلًا نام مبللا، وكم أمًّا قضت ليلتها تحرس أبناءها من البرد، وكم أبًا أخفى عجزه خلف صمته الطويل.

هنا، حيث كان يفترض أن تكون الخيمة ملاذا من الحرب، صار المطر حربا أخرى، وحيث كان يفترض أن تنتهي المأساة عند النجاة من القصف، امتدت لتلاحق الناجين تحت سقوف القماش، حتى بات الفلسطيني في غزة ينجو من الموت مرة، ثم يواجه الحياة وكأنها امتحان آخر للبقاء.

 هذا ما فعله الاحتلال، وحوَّل غزة إلى مدينة من قماش، في حين لا يزال العالم يمارس صمته إلى ما لا نهاية...

المصدر / فلسطين أون لاين