☰
✕

قائمة الموقع

رصاصة إسرائيلية تغتال حلم المستديرة.. الفتى محمد بربخ يرتقي بملعب في خان يونس

2026-11-07T11:08:00+02:00
الشهيد الفتى محمد نضال بربخ (15 عاماً)
فلسطين أون لاين

لم يكن الفتى محمد نضال بربخ (15 عاماً) يبحث عن أكثر من مساحةٍ يركض فيها خلف كرة القدم، ويعيش حلماً راوده منذ طفولته بأن يصبح لاعباً محترفاً؛ قبل أن تقطع رصاصةٌ أطلقها جنود الاحتلال الإسرائيلي طريقه، وتصيبه في رقبته أمس خلال مشاركته في تدريبٍ كرويٍّ بملعبٍ محلي بمواصي خان يونس، جنوبي قطاع غزة.

وفي الملعب الذي قصده محمد لممارسة هوايته، كان نحو 65 طفلاً يتشاركون شغف المستديرة، ويحاولون انتزاع لحظاتٍ من الفرح وسط واقع النزوح والحرب.

غير أن دويّ إطلاق النار بدَّد أجواء التدريب، فحوَّل دقائق الترفيه إلى مشهدٍ من الخوف والارتباك، بعدما تعرَّض محمد لإصابةٍ قاتلة نُقل على أثرها إلى مجمع ناصر الطبي، حيث ارتقى متأثراً بجراحه.

لم يكن أحدٌ من أقرانه يتوقع أن تنتهي المباراة بهذه الطريقة، أو أن يعودوا من الملعب من دون ابن عمهم وصديقهم الذي كان يحلم بأن يصبح نجماً في عالم كرة القدم.

ومع وصول النبأ إلى أصدقائه وأقاربه، بدا وقع الصدمة أكبر من قدرتهم على استيعاب ما حدث؛ فالفتى الذي دخل الملعب حاملاً أحلامه، خرج منه محمولاً على الأكتاف، تاركاً خلفه كرةً لم يكمل اللعب بها، وحلماً لن يرى النور.


 

حلم الأهلي وليفربول

كان محمد، المولود عام 2011، قد عاد إلى قطاع غزة قبل أشهر، بعد فترةٍ قضاها في جمهورية مصر العربية برفقة عائلته، ليجد نفسه مجدداً بين أصدقائه، ويستعيد تفاصيل حياته التي افتقدها، وفي مقدمتها ممارسة كرة القدم التي أحبها بشغف.

ويروي محمود بربخ ابن عمه، الذي كان شاهداً على لحظات استشهاده، أن محمد كان مولعاً بكرة القدم، ويتحدث باستمرار عن حلمه باللعب في النادي الأهلي المصري، ثم الانتقال إلى نادي ليفربول الإنجليزي، ليصبح لاعباً مشهوراً على خطى النجم المصري محمد صلاح.

ويقول الطفل بصوتٍ تختلط فيه الحسرة بالصدمة لصحيفة "فلسطين": "كل أحلامه كان بده يطلع على الأهلي، بعدين يروح على ليفربول، بعدين يصير زي محمد صلاح، هيك دائماً كان بقول".

لكن تلك الأحلام اصطدمت برصاصةٍ لم تمنح صاحبها فرصةً أخرى للركض خلف الكرة، أو حتى توديع زملائه في التدريب.

ويستعيد ابن عمه تفاصيل اللحظات الأخيرة، قائلاً إن الصغار كانوا يلعبون في ملعب يطلق عليه اسم "أم عايش"، قبل أن يتوقف محمد بانتظار دوره، ثم دوَّى صوت إطلاق النار، فحاول الفتى التحرك والابتعاد، لكن الرصاصة أصابته فسقط عاجزاً عن مواصلة الركض. ويضيف أن محمد أخذ ينادي مدربه مستنجداً ويخبره بإصابته، قبل أن يُنقل من المكان، في مشهدٍ ترك أثراً قاسياً في نفوس كل من عاين الحادثة.

ملعب يتحول إلى ساحة خوف

لم يكن الملعب، بحسب رواية الفتية، موقعاً اعتادوا فيه التعرض لإطلاق النار؛ فقد كانوا يمارسون هوايتهم في مساحةٍ أخرى بالقرب من أحد المنازل، قبل الانتقال إلى ملعب "أم عايش"، أملاً في توفير مكانٍ أوسع وأكثر ملاءمة للتدريب.

ويقول ابن عمه إنهم لم يتوقعوا أن تصل نيران الاحتلال إلى الملعب، رغم إدراكهم أن المنطقة ليست بمنأى عن أصوات الرصاص، مضيفاً: "المفروض آمن، مش عارف أنا إيش صار، ومش عارف كيف أصابته الطلقة".

أما الكابتن إسلام أبو عريضة، مدرب الفريق، فيرى أن استهداف الفتى يمثل مأساةً تتجاوز خسارة حياة طفل، لتطال أحلام عشرات الصغار الذين يتمسكون بحقهم في اللعب والحياة رغم الحرب.

ويوضح أبو عريضة لـ"فلسطين" أن نحو 65 طفلاً كانوا في الملعب لحظة الحادثة، معرباً عن أسفه البالغ لرحيل محمد، ومؤكداً أن هؤلاء الصغار لا يفعلون أكثر من ممارسة رياضتهم المفضلة، في محاولةٍ لتفريغ الضغوط النفسية التي خلَّفتها سنوات الحرب والنزوح.

ويضيف: "إحنا عندنا حلم، حلمنا إنه الأطفال هذه تيجي تلعب كرة القدم، برغم الظروف اللي إحنا بنمر فيها"، مشيراً إلى أن إطلاق النار يطال المنطقة بصورة متكررة، ويضع حياة السكان والأطفال أمام مخاطر دائمة.

ويخشى المدرب من التداعيات النفسية للحادثة على الصغار الذين شهدوا سقوط صديقهم، بعدما تحولت مساحةٌ يُفترض أن تكون للترفيه والتنفيس عن معاناتهم إلى مصدرٍ جديد للخوف والقلق.

أرقام خلفها الرصاص

ولا تنفصل مأساة محمد عن واقعٍ أمني وإنساني مرير يعيشه سكان مواصي خان يونس، حيث تتكرر حوادث إطلاق النار والقصف في المناطق القريبة من ما يسمى "الخط الأصفر"، وتطال تداعياتها خيام النازحين والتجمعات المدنية.

ووفق البيانات الحكومية والصحية والميدانية بشأن خروقات اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025، بلغ عدد الشهداء جراء الاعتداءات الإسرائيلية في مختلف مناطق القطاع نحو 1593 شهيداً، إضافة إلى أكثر من 5748 مصاباً، حتى أوائل نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وتعكس هذه الحصيلة استمرار المخاطر التي تهدد المدنيين، في ظل القصف والاستهدافات الجوية وإطلاق النار، ولا سيما في المناطق المحاذية لذلك الخط ومناطق النزوح في محافظة خان يونس.

وبالنسبة لأبو عريضة، فإن ما جرى لا يمكن اعتباره مجرد حادثةٍ عابرة، بل جرس إنذارٍ بشأن مصير أطفالٍ يحاولون استعادة جزءٍ من طفولتهم المسلوبة، وسط ظروفٍ لا تترك لهم مساحةً كافية للعب أو الشعور بالأمان.

ويختم حديثه بحرقة: "الله يكون بعون نفسيتهم، بتمنى إن شاء الله ربنا يزيل هالغمّة عنا"، معرباً عن أمله في أن يتمكن الأطفال من العودة إلى ممارسة حياتهم الطبيعية بعيداً عن أصوات الرصاص والخوف.

اخبار ذات صلة