عشرات الجثامين تتراص داخل صندوق شاحنة امتلأت بجثامين الشهداء بينهم أطفال ونساء تلفهم الأكفان البيضاء التي كتبت عليها أسماء كل شهيد خطتها الأيدي على الأقمشة للتعرف بكل شهيد، تسير الحافلة ببطء وسط منطقة يحيط بها الركام من كل جانب نتيجة القصف والأحزمة النارية، وفي الخلف يسير المشيعون من عائلة البراوي في مشهد جنائزي ثقيل يلخص قسوة الإبادة التي مسحت عائلات كاملة من عائلة الممتدة في مجزرة دامية.
كان بين الضحايا أطفال لم يعرفوا من الحياة سوى سنواتها الأولى، وأزواج وعائلات اقتُلعوا دفعة واحدة من أحضان من يحبونهم. أما هنادي زهران البراوي، فكانت الناجية الوحيدة من عائلتها؛ خرجت من تحت الركام تنزف، بعدما انتُشل جسدها من بين جثامين زوجها وطفليها، لتبدأ حياة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستعيشها من دونهم.
في لحظة كانت البراوي تتحدث معه طفليها وهما يلاعبان بجوارها، لتجد نفسها في بين عتمة، بعد صوت انفجار شعرت بانهيار المنزل بها ومحاصرة الركام لها من كل جانب، ثم أصوات طواقم إنقاذ وجيران يقومون بانتشال الشهداء ونقل المصابين إلى المشفى، لم تشعر بشيءٍ إلا عندما نقلت إلى المشفى وأفاقت من الإصابة على الفاجعة.
ناجية وحيدة
فقدت هنادي البراوي زوجها سامر سفيان البراوي (32 عامًا) وطفلَيها سوار (6 أعوام) ومصطفى (3 أعوام)، في مجزرة ارتكبها الاحتلال يوم 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، في منزل العائلة بشارع المنشية في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة.
في ذلك اليوم، باغت صاروخ إسرائيلي المنزل بينما كانت تحتضن أطفالها إلى جوار زوجها، وسلبها في لحظات كل من كانوا مصدر سعادتها وأمانها.
تستعيد هنادي اللحظات الأخيرة قبل القصف، وتحرك شريط مثقل بوجع الفقد، تروي لصحيفة "فلسطين": "رغم القصف كانت العائلة تضحك وتتبادل الأحاديث، وكنا نعيش يومًا عاديًا من أيام العمر. كانت سوار تقول إنها تريد النوم في حضن والدها، وكان مصطفى يحاول منافستها على ذلك، قبل أن يتحول المشهد العائلي الدافئ فجأة إلى مجزرة، ويختفي الجميع من حولها".
بحرقة ووجع تقول: "جاء الصاروخ وسرق مني عائلتي. سوار كانت سكرة البيت، والجميع كان يتحدث عن جمالها وأناقتها وذكائها. ومصطفى، طفلي الصغير الذي كان أغلى من روحي، وزوجي الذي كان الجميع يمدحونه.. أخذوهم جميعًا وتركوني وحيدة".
لم تكن البراوي حينها تدرك ما حدث، ولم تكن تشعر بشيء سوى أن روحها تفارق جسدها، بينما كانت تنزف تحت الأنقاض. انتشلها شبان الحي من بين الركام، وسط جثامين زوجها وطفليها، ونقلوها إلى المستشفى، في أجواء اختلط فيها الرعب بالخوف والذهول.
كانت سوار تحلم بالذهاب إلى الروضة وبدء حياة جديدة بين الأطفال. لكن ذلك الحلم انتهى قبل أن يتحقق، وبقيت الأم تحمل تفاصيله في ذاكرتها، بعدما فقدت من كانت تريد أن ترافقهما في أولى خطواتهما التعليمية.
نظرة وداع متأخرة
لم تستطع ه حضور الدفن الأول لزوجها وطفليها، إذ كانت فاقدة الوعي وتنزف جراء إصابتها، ولم تتمكن من رؤيتهم أو توديعهم. وبعد أربعة أشهر، حين أُتيحت للعائلة فرصة نقل جثامينهم إلى مقبرة شرعية، حضرت الجنازة، في محاولة متأخرة لإلقاء نظرة الوداع التي حُرمت منها في الأيام الأولى للمجزرة.
تتذكر كيف كان سوار ومصطفى يتظاهران بالإصابة، ويلفان جسديهما بالمحارم الورقية، في مشهد طفولي كان يثير ضحك العائلة. لكن تلك اللعبة التي كانت تمرح بها الطفولة تحولت إلى ذكرى موجعة، بعدما تحقق مشهد الإصابة والموت على أرض الواقع، وفقدت الأم طفليها في قصف حقيقي.
أما زوجها سامر، فتستحضر كلماته واهتمامه الدائم بها، حين كان يسألها عن احتياجاتها، وتضيف أن مصطفى كان دائمًا يطوف على أفراد العائلة، يوزع عليهم القبلات والأحضان، حتى إن حماتها كانت تلاحظ ذلك وتقول إن الطفل يتصرف وكأنه يودع الجميع، وهي ذكرى تظل عالقة في ذهنها كلما تذكرت حركته بين أفراد الأسرة وحرصه على احتضانهم.
ولم تقتصر المجزرة على أسرة هنادي، بل امتدت إلى أفراد آخرين من عائلتها، إذ استشهد معتز سفيان البراوي وزوجته وطفلاهما بلال (5 أعوام) وسفيان (3 أعوام)، كما استشهدت اكتمال سالم أبو ستة وابنتها نسائم (21 عامًا).وكانت داخل المنزل عائلات أخرى
تحول المنزل الذي كان يعج بالضحكات، إلى ركام بقيت تلك الحجارة شاهدة على حياة ومنزل وعائلات كانت تتمنى أن تنعم بالأمن وتتشبث بالحياة، وأطفال يرسمون خارطة لأحلامهم بين الصواريخ والدمار إلا أن الصواريخ الأخرى كانت ترسم نهاية مؤلمة للعائلة.
استشهد في المجزرة 13 شهيدًا، كما يوضح تامر البراوي، بينهم أمه اكتمال البراوي، وشقيقه معتز سفيان البراوي وزوجة شقيقه رانية البراوي وطفلهما بلال وسفيان، وشقيقه سامر وأطفاله مصطفى وسوار، وشقيقه مشير وشقيقته نسائم، وأولاد خاله فارس وأنس وعبد الرحمن سلمان، وطفلة أخرى استشهدت بالمجزرة.
قبل الحرب سافر تامر البراوي إلى خارج غزة، ومع اندلاع الإبادة كان على تواصل دائم بعائلته، وفي اليوم الأخير قبل المجزرة ظل يتحدث مع أمه عبر مكالمة فيديو، يستذكر بينما يفتح قلبه لسرد تفاصيل تلك اللحظات القاسية، يروي لصحيفة "فلسطين": "يومها كانت أمي ترفض إنهاء المكالمة وتصر على استمرار الحديث معي ومع أطفالي فاستأذنت منها أن أصلي العشاء ثم أرجع أتحدث معها، أثناء الصلاة بدأت تصل رسائل للهاتف شعرت بحدوث شيء فكانت الصدمة. رفضت أمي النزوح وكانت تقول لن أخرج من بيت لاهيا: "لا حيّة ولا ميتة".